.
هل مراقبة ورصد الهلال والآلات الفلكية والساعات والتقويم (الروزنامات) الذي يضبط أوقات الصلاة يقع ضمن مفهوم التنجيم والمنجمون؟؟
من كتاب صحيح صفة صيام النبي صلى الله عليه وآله وسلم
إن هؤلاء المتعصبين للعصر الحجري والمخالفين لكتاب الله تعالى ولسنة الحبيب الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم الذي دعا إلى العلم والتعلم مخطئون.
وملخص هذا الأمر كما ترى أنهم يريدون أن يبقى أهل الإسلام في حالٍ لا يؤديهم إلى النهضة والتقدم واستعمال ما يستجد من الآلات والأجهزة والدراسات للاستعانة بها على دقة معرفة الأوقات لتوحيد الصفوف وجمع الكلمة.
وكلامهما هذا باطل يمكن الرد عليه من أوجه منها:
الوجه الأول: زعمه أن ضبط الأوقات وتقييدها بالتقاويم والروزنامات تنجيم اجتال المسلمين عن السنة!! وهذا خطأ بيِّن!
لأن التنجيم منه ما هو مطلوب شرعاً ومنه ما هو مذموم!
فالمذموم هو زعم معرفة الغيب والأمور المستقبلة من النجوم، والمحمود هو النظر في حركة الشمس والقمر والنجوم لمعرفة الأوقات والفصول وهذا ممدوح ومذكور في القرآن الكريم!
لذلك عرَّف العلماء اللغويون المُنَجِّمُ بأنه: مَن ينظر فيها بحسب مواقيتها وسَيْرها(1).
وهذا أمر مذكور في القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة وقد مدح الله ذلك ولم يذمه فقال: {وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا(2)بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} الأنعام: 97، وأما القوم الذين يجهلون فلا يعرفون هذا بل يذمونه!! والآيات كثيرة منها قوله تعالى {وَمِنْ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَإِدْبَارَ النُّجُومِ} الطور:49. وقوله تعالى {وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا} الأنعام:96. وقوله تعالى {هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} يونس:5. وهؤلاء المتمسلفون يجهلون!! وبين النبي صلى الله عليه وآله وسلم كما في صحيح مسلم (830) أن صلاة المغرب حينما يطلع النجم! فعن أبي بصرة الغفاري قال: صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم العصر بالمُخَمَّص فقال: ((إن هذه الصلاة عُرِضَتْ على مَنْ كان قبلكم فضيَّعوها، فمن حافظ عليها كان له أجره مرتين ولا صلاة بعدها حتى يطلع الشاهد والشاهد النجم))(3).
وبهذا يكون التقويم والروزنامات والتنجيم الذي نعنيه أمر محمود شرعاً بنص الكتاب والسنة لأن بواسطته يتم الحساب الفلكي من هذه الأفلاك وحركتها ويضبط كل ذلك بالروزنامات والتقاويم.
وبذلك يصح للمؤذنين في العمران أن يصوِّبوا أبصارهم إلى عقارب الساعة ليضبطوا الأذان الشرعي المبني على التنجيم الشرعي ويبطل قول من خالف في ذلك(4).
الوجه الثاني: أنه كيف يمكن لمن يسكن في القطب الشمالي أو قريب منه ومن كان الليل لديه بالأشهر والنهار بالأشهر أو كان النهار ساعة أو نحوها إلا أن يحسب له (المنجمون!!) وأهل الحسبان الذين ذكر عملهم رب العزة في كتابه العزيز حيث قال: {الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ} الرحمن:5؟!
وقد جاء في صحيح البخاري(5) (1900و1906) عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ذكر رمضان فقال: ((لا تصوموا حتى تروا الهلال، ولا تفطروا حتى تروه، فإن غمَّ عليكم فاقدروا له)).
وهذا ظاهر في التقدير في الحساب ونحوه من مراقبته في جميع أنحاء العالم ومعرفة متى يتولد الهلال، وكان ذلك متعذراً من قبل فصار اليوم سهلاً بهذه الآلات ونحوها من الدراسات الفلكية المتطورة.
لذلك قال الحافظ ابن حجر العسقلاني في "الفتح" (4/122):
((قوله (فاقدروا له)(6) تقدم أن للعلماء فيه تأويلين، وذهب آخرون إلى تأويل ثالث قالوا: معناه فاقدروه بحساب المنازل.... وقال ابن الصلاح: معرفة منازل القمر هي معرفة سير الأهلة وأما معرفة الحساب فأمر دقيق يختص بمعرفته الآحاد، قال: فمعرفة منازل القمر تدرك بأمر محسوس يدركه من يراقب النجوم......)) انتهى باختصار.
ثم كيف يصنع من كان يعمل في مَنْجَمٍ أو من كان محبوساً ولا يرى النجم هل يرجع للساعة وتقاويم المنجمين أم يسأل المتمسلفين؟!
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الحواشي السفلية والمراجع:
(1) "القاموس المحيط" للمجد الفيروز أبادي مادة (نجم) ص (1499).
(2) ولم يقل سبحانه لتصبحوا منجمين وتضلوا وتجتالكم عن سنة النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
فالنجوم هي للهداية ومعرفة الأوقات والجهات لا للضلالة!!
(3) وسواء قال المعترض أن جملة (والشاهد النجم) مدرجة أو لم يقل فإن الشاهد هو النجم. وقد صححه الألباني المتناقض في صحيح النسائي (1/114/507).
(4) خالف في ذلك بالإنشائيات الفارغة حيث يقول: [لكنه مما يؤسف له حقاً أن المؤذنين في هذا الزمان صارت أبصارهم مصوَّبة إلى عقارب الساعة، فإذا استقرَّت العقارب على الرقم الذي يحدد الوقت أو يقاربه شرع يؤذن].
ولا بد أن تدركوا سخافة عقل كاتب هذه الكلمات لا سيما وقد نقضها مباشرة فقال عقيبها: [ولسنا نعيب على المؤذنين أن ينظروا في ساعاتهم ليعرفوا بها الأوقات بل نعيب على الجهلة من العامة وأشباههم من أهل العلم أن ينكروا على من له فقه في دينه وهو ذو بصر سليم ـ يرى به الشمس في مشرقها وفي مغربها ـ أن يفطر برؤيته التي أناط الله بها فطر الصائمين وأن يهيجوا هيجة الحمر المستنفرة...].
أقول: أولئك الذين وصف حالهم بأنهم [جهلة من العامة وأشباههم من أهل العلم] خير منه إذ قد التزموا بما التزم به كافة المسلمين المؤمنين من الانصياع لمن ضبط غروب الشمس حقيقة واحتاط لدينه في صيامه ولم يفسده كهذا المسكين الذي رأى الشمس قد غابت من وراء الجبل أو من وراء البنيان فظن أنها غابت حقيقة وتوارت بالحجاب فأفطر فأفسد صومه وصوم من قلده واقتنع بهذيانه! لا سيما وهو يظن بنفسه أنه متبع للسنة وهو في الحقيقة متبع لهواه وخيالاته!! وزاد في التيه وفي الطين بلة فوصف مخالفيه المنكرين على فعله المخالف للشريعة بأنهم حمر مستنفرة!! فتدبروا!! واسألوا الله تعالى السلامة والابتعاد عن هذه الضلالات!
(5) وكذا مسلم (1080).
(6) الظاهر أن ابن حجر كان مشغولاً بالرد على الشيعة الذين يسميهم أحياناً الروافض، إذ قال في "الفتح" (4/121) في موضوع الهلال ورؤيته قبل الزوال وبعده عند بداية رمضان فقال [لكن اللفظ الذي رواه أكثر الرواة أوقع للمخالف شبهة وهو قوله (فإن غمَّ عليكم فاقدروا له)...] ويقصد بالمخالف ههنا الشيعة فهو يود ويتمنى رد هذه الرواية ولكن أمامه عقبة كؤود وهي أن أكثر الرواة رووها!!
هل مراقبة ورصد الهلال والآلات الفلكية والساعات والتقويم (الروزنامات) الذي يضبط أوقات الصلاة يقع ضمن مفهوم التنجيم ؟؟
-
الباحث المفكر
- مشاركات: 187
- اشترك في: الأربعاء سبتمبر 03, 2025 8:02 pm
