السُنَّة أن ينظر المصلي أمامه إلى الأرض وأن يكون خاشعاً في صلاته

المذهب الشافعي
أضف رد جديد
الباحث المفكر
مشاركات: 133
اشترك في: الأربعاء سبتمبر 03, 2025 8:02 pm

السُنَّة أن ينظر المصلي أمامه إلى الأرض وأن يكون خاشعاً في صلاته

مشاركة بواسطة الباحث المفكر »

السُنَّة أن ينظر المصلي أمامه إلى الأرض وأن يكون خاشعاً في صلاته

من كتاب (صحيح صفة صلاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم)

قال الله تعالى: {قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ} المؤمنون (1ـ2)، وقال تعالى: {وَاسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى الْخَاشِعِينَ} البقرة: 45، وقال تعالى: {أَلَمْ يَأْنِ} أي: يحين {لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ} الحديد: 16. وقال تعالى: {وَيَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا} الاسراء 109.
وروى البخاري في باب الخشوع في الصلاة (2/225 فتح) عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال:
((والله ما يخفى عليَّ ركوعكم ولا خشوعكم(1) وإني لأراكم من وراء ظهري)).
وروى أيضاً عن سيدنا أنس أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال:
((أقيموا الركوع والسجود، فوالله إنّي لأراكم من بعد ظهري إذا ركعتم وسجدتم))(2).
وبقدر خشوع الإِنسان في الصلاة يُكْتَبُ له من ثوابها، قال صلى الله عليه وآله وسلم:
((إنَّ الرجل ليصلي الصلاة ما له منها إلا عُشرُها، تُسُعُها، ثُمُنُها، سُبُعها، سدسها، خمسها، ربعها، ثلثها، نصفها))(3).
وفي رواية:
((إنَّ العبد ليصلي فما يكتب له إلا عُشُرُ صلاتِهِ والتسع والثمن والسبع حتى يكتب له صلاته تامة))(4).
وكان صلى الله عليه وآله وسلم يقول:
((ما من امرئ مسلم تحضره صلاة مكتوبه فيحسن وضوءها وخشوعها وركوعها، إلا كانت كفارة لما قبلها من الذنوب ما لم يؤت كبيرة، وذلك الدهر كله))(5).
وعن سيدنا أنس بن مالك قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:
((ما بال أقوامٍ يرفعون أبصارهم إلى السماء في صلاتهم، لَيَنْتَهُنَّ عن ذلك أوْ لَتُخْطَفَنَّ أبصارُهُمْ))(6).
وعن السيدة عائشة رضي الله عنها قالت: سألت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن الالتفات في الصلاة فقال: ((هو اختلاس يختلسه الشيطان من صلاة العبد))(7).
قال الإِمام النووي رحمه الله تعالى(8):
[أجمع العلماء على استحباب الخشوع والخضوع(9) في الصلاة وغض البصر(10) عمّا يُلهي وكراهة الإِلتفات في الصلاة وتقريب نظره وقصره على ما بين يديه(11)] اهـ.
قلت: لم يصح في ((النظر إلى موضع السجود)) بهذا اللفظ حديث، إلا أن مجموع النصوص الواردة بالأمر بالخشوع وعدم الإِلتفات ورفع النظر إلى السماء تفيد معنى ذلك، وهو قصر النظر إلى ما بين يدي المصلي(12)، لأنه إذا نهاه عن النظر للأعلى للسماء عن الالتفات يمنةٍ ويَسْرَةً لم يبق إلا أن ينظر أمامه على الأرض وأن يقرّب نظره ويقصره كما قال الإِمام النووي رحمه الله تعالى.
[مسألة]:
تغميض العينين في الصلاة مستحب لأنَّه يجمع القلب ويساعد على الخشوع والتدبر في القراءة والتأمل في معاني القرآن والأذكار، وكلُّ ما أعانَ على الطاعة فهو مستحب، وقد نص على ذلك العلماء المحققون، منهم الإِمام النووي رحمه الله تعالى حيث قال:
((أما تغميض العين في الصلاة... المختار أنه لا يكره إذا لم يخف ضرراً لأنه يجمع الخشوع، وحضور القلب، ويمنع من إرسال النظر وتفريق الذهن(13)).
وقال الحافظ ابن المنذر في كتابه ((الأوسط)) (3/274):
((ولقد كان من تَحَفُّظِ أهل العلم في صلاتهم وحفظهم لأبصارهم أن قال بعضهم، إن لم يستطع ـ الخشوع ـ غمّض عينيه، كان الحسن يقول: يضع بصره بحذاء المكان الذي يسجد فيه فإن لم يستطع فليغمض عينيه، وقال ابن سيرين: كان يؤمر ـ المصلي ـ إذا كان يكثر الإِلتفات في الصلاة أن يغمض عينيه)) اهـ.
[مسألة]: يسأل بعض الناس أحياناً فيقولون:
إننا نشتكي من عدم الخشوع وحضور القلب في الصلاة فما هو العلاج لإِيجاد الخشوع؟! وما هي الطريقة لتحصيله؟!
والجواب على هذا نقول:
لا يحصل ولا يتم الخشوع في الصلاة إلا بالأخذ بطريقتين:
(الأولى): أن يتعلّم الإِنسان فقه الصلاة ويعرف أركانها وشروطها ومبطلاتها وسننها وجميع أحكامها الواردة في مثل هذا الكتاب، وأن يتدارس تلك الأحكام مع بقية إخوته المؤمنين.
فمتى عرف ما هو المطلوب عند كل جزء من الصلاة من الواجبات والأركان والسنن اشتغل عقله فيه وفكّر به فيكون سبباً مهماً لحضور القلب.
(الثانية): أن يقوم في بعض الليالي في الليل فيصلي مثلاً أربع ركعات أو أكثر وحده ليس في جماعة، قال الله تعالى: {وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَّكَ عَسَى أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَّحْمُودًا} سورة الإسراء 79، فيفتتح صلاته بركعتين خفيفتين تطبيقاً للسنة، فقد ((كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذا قام من الليل ليُصلِّي افتتح بركعتين خفيفتين))(14).
وعن أبي هريرة ، قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:
((إذا قام أحدكم من الليل فليفتتح صلاته بركعتين خفيفتين))(15).
فمن فعل هذين الأمرين فإنه سيحضر قلبه وذهنه في صلاته بإذن الله تعالى، ويزيد على ذلك بأن يلتجيء إلى الله عز وجل بالدعاء ويسأله أن يرزقه حضور القلب، نسأل الله تعالى التوفيق والهداية.


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الحواشي السفلية والمراجع:
(1) قال الحافظ ابن حجر في شرحه في ((الفتح)) (2/225):
[الخشوع تارة يكون من فعل القلب كالخشية، وتارة من فعل البدن كالسكون، وقيل: لا بُدَّ من اعتبارهما حكاه الفخر الرازي في تفسيره، وقال غيره: هو معنى يقوم بالنفس يظهر عنه سكون في الأطراف يلائم مقصود العبادة)) اهـ.
قلت: ما قاله الإمام الفخر الرازي رحمه الله تعالى _ من أن الخشوع في القلب والبدن _ هو الصواب الموافق للأحاديث وهو مذهب البخاري رحمه الله تعالى قال الحافظ هناك ص (226):
[واستشكل _ على ناس _ إيراد البخاري لحديث أنس هذا لكونه لا ذكر فيه للخشوع الذي ترجم له، وأجيب بأنه: أراد أن يُنبِّه على أنَّ الخشوع يدرك بسكون الجوارح إذا الظاهر عنوان الباطن] اهـ.
(2) قال الحافظ في ((الفتح)) (2/226): [وقد سئل عن الحكمة في تحذيرهم من النقص في الصلاة برؤيته إياهم دون تحذيرهم برؤية الله تعالى لهم، وهو مقام الإحسان المبين في سؤال جبريل كما تقدم في كتاب الإيمان ((اعبُد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك)) فأجيب بأن في التعليل برؤيته صلى الله عليه وآله وسلم لهم تنبيهاً على رؤية الله تعالى لهم، فإنهم إذا أحسنوا الصلاة لكون النبي صلى الله عليه وآله وسلم يراهم ايقظهم ذلك إلى مراقبة الله تعالى مع ما تضمنه الحديث من المعجزة له صلى الله عليه وآله وسلم بذلك، ولكونه يبعث شهيداً عليهم يوم القيامة فإذا علموا أنه يراهم تحفظوا في عبادتهم ليشهد لهم بحسن عبادتهم] اهـ. فتأمل جيداً!!
(3) رواه أبو يعلى في مسنده (11/502) وسنده صحيح.
(4) رواه البيهقي (2/281) وغيره من حديث سيدنا عمار بن ياسر رضي الله عنه وهو حسن.
(5) رواه مسلم في ((صحيحه)) (1/206 برقم 228) من حديث عمرو بن سعيد بن العاص.
(6) البخاري (2/233 فتح) وهو في مسلم (1/321) من حديث جابر بن سمرة وأبي هريرة.
(7) رواه البخاري في ((صحيحه)) (2/234 فتح) وغيره.
(8) في ((شرح المهذب)) (3/314).
(9) الخضوع هو التطامن والتواضع.
(10) غض البصر هو: خفضه، وكل شيء كففته فقد غضضته.
(11) أي أمامه على الأرض.
(12) وهناك ملحق في الجزء الثالث من كتابنا ((التناقضات)) يتعلق بنقد الأحاديث التي أوردها بعضهم في ((صفة صلاته)) مع بيان ضعف بعضها ووضع بعضها.
(13) ((شرح المهذب)) (3/314):
وقال ابن قيم الجوزية في ((زاد المعاد)) (1/99 طبعة الحلبي):
[والصواب أن يقال: إن كان تفتيح العين لا يخل بالخشوع فهو أفضل، وإن كان يحول بينه وبين الخشوع لما في قبلته من الزخرفة والتزويق أو غيره مما يشوّش عليه قلبه فهنالك لا يكره التغميض قطعاً،والقول باستحبابه في هذا الحال أقرب إلى أصول الشرع ومقاصده من القول بالكراهة] اهـ.
قلت: ومنه تعلم سخافة قول المتناقض!! في ((صفة صلاته)) ص (89) في الحاشية: [تنبيه: في هذين الحديثين، أنَّ السنة أن يرمي ببصره إلى موضع سجوده من الأرض، فما يفعله بعض المصلين من تغميض العينين في الصلاة، فهو تورّع بارد، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وآله وسلم] اهـ. وهل يعرف هذا هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم وهو غارق في آلاف التناقضات!!
قلت: أما الحديث الأول الذي أورده فقد تناقض!! وضعفه! في ((إرواء غليله)) (2/71) وأما الثاني فموضوع كما ستراه إن شاء الله تعالى في الجزء الثالث من كتابنا ((التناقضات)) حيث ستدرك ضعفَ كلامه وإفلاس استدلاله والله المستعان.
(14) رواه مسلم في ((صحيحه)) (1/532 برقم 767) من حديث السيدة عائشة رضي الله تعالى عنها.
(15) رواه مسلم في ((صحيحه)) (1/532 برقم 768).
أضف رد جديد

العودة إلى ”المذهب الشافعي“