لا يقطع الصلاة مرور شيء أمام المصلي

المذهب الشافعي
أضف رد جديد
الباحث المفكر
مشاركات: 133
اشترك في: الأربعاء سبتمبر 03, 2025 8:02 pm

لا يقطع الصلاة مرور شيء أمام المصلي

مشاركة بواسطة الباحث المفكر »

لا يقطع الصلاة مرور شيء أمام المصلي

من كتاب (صحيح صفة صلاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم)

روى البخاري في ((صحيحه)) (1/590 فتح) أن ابن شهاب الزهري سُئِل عن الصلاة هل يقطعها شيء؟ فقال: لا يقطعها شيء. أخبرني عروة بن الزبير أن السيدة عائشة زوج النبي صلى الله عليه وآله وسلم قالت: ((لقد كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقوم فيصلِّي من الليل وإني لمعترضة بينه وبين القبلة على فراش أهله)). وهو في البخاري (515).
وعن مسروق عن السيدة عائشة رضي الله عنها وقد ذُكر عندها ما يقطع الصلاة فقيل: الكلب والحمار والمرأة، فقالت: ((شبّهتمونا بالحُمُر والكلاب؟! والله لقد رأيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم يصلِّي، وإني على السرير بينه وبين القبلة مضطجعة، فتبدو لي الحاجة فأكره أن أجلس فأوذي النبي صلى الله عليه وآله وسلم فأنسلُّ من عند رجليه))(1).
قال الإمام الترمذي في ((سننه)) (2/160) في باب ((ما جاء: لا يقطع الصلاة شيء))، والحافظ أبو بكر الحازمي في ((الناسخ والمنسوخ)) ص(78) ما نصه: ((والعمل عليه عند أكثر أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم ومن بعدهم من التابعين، قالوا: لا يقطع الصلاة شيء)).
قلت: ويدلُّ صريحاً على عدم قطع الصلاة بمرور المرأة والكلب والحمار بين يدي المصلي عدّة أحاديث ثابتة صحيحة وهي تقطع بعدم العمل بالحديث الناص على القطع وإليك بعضها:
(أما المرأة): فتقدمت أحاديث عن السيدة عائشة وهي ثابتة في الصحيحين تُبيِّنُ عدم قطع الصلاة بوجود أو مرور المرأة البالغة.
(وأما الحمار والكلب): فعن أبي جحيفة في حديث طويل قال فيه:
((ثمَّ رُكِزَتْ له صلى الله عليه وآله وسلم عَنَزَة فتقدم فصلى الظهر ركعتين، يَمُرُّ بين يديه الحمار والكلب. لا يُمنعُ...))(2) والعَنَزَة: عصا كنصف الرمح طولاً.
وعن سيدنا الفضل بن العباس رضي الله عنهما قال: ((زار رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عبّاساً في بادية لنا، ولنا كُليبةٌ وحمارة ترعى فصلّى النبي صلى الله عليه وآله وسلم العصر وهما بين يديه فلم يُزْجرا ولم يُؤخَّرا))(3).
وعن سيدنا ابن عبّاس رضي الله عنهما قال:
((أقبلتُ راكباً على حمارٍ أتانٍ ـ وأنا يومئذٍ قد ناهزت الاحتلام ـ ورسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يصلِّي بمنى إلى غير جدارٍ، فمررت بين يدي بعض الصفِّ، وأرسلت الأتان ترتع فدخلت في الصفِّ فلم ينكر ذلك عليَّ))(4).
قال الحافظ في ((الفتح)) (1/171):
[(قوله إلى غير جدار)... يؤيدهُ رواية البزّار بلفظ: ((والنبي صلى الله عليه وآله وسلم يصلي المكتوبة ليس لشيء يستره))] انتهى.
وأصرح من ذلك رواية أبي يعلى الصحيحة في مسنده (4/312) قال رجل لابن عباس:
((أكان بين يديه عَنَزَة؟ قال: لا)). قلت: فما ندري ما موقف مَنْ أخذ بحديث القطع وترك هذه الأحاديث الثابتة؟! وما جوابه عنها ونهي صحيحة وصريحة في إبطال قول من زعم قطع الصلاة الأشياء الثلاثة؟!
وقد فسَّر الإمام الشافعي رحمه الله تعالى حديث: ((يقطع الصلاة: المرأة والكلب والحمار)) بأنها تقطع الخشوع، فقال: ((يقطع عن الذكر الشغل بها والإلتفات إليها لا أنه يفسد الصلاة))(5). أي أنَّ هذه الأمور تقطع الخشوع في الصلاة ولا تبطلها(6).
وعن صهيب البصري قال سمعت ابن عباس يحدِّث أنّه:
((جاءت جاريتان ـ أي طفلتان صغيرتان ـ تسعيان من بني عبد المطلب فأخذتا بركبتيه ـ صلى الله عليه وآله وسلم وهو يصلي ـ فَفَرَعَ بينهما ولم ينصرف))(7)
أي من صلاته بل أتمها، ومعنى فرع: حجز بينهما.
وعن أبي هريرة قال:
((كنّا نصلي مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم العشاء الآخرة، فإذا سجد وثب الحسن والحسين على ظهره فإذا رفع رأسه أخذهما من خلفه أخذاً رفيقاً ويضعهما عن ظهره، فإذا عاد عادا حتى قضى صلاته أقعدهما على فخذيه...))(8) الحديث.
وعن أبي أيوب الأنصاري وسعد بن أبي وقاص رضي الله عنهما قال كل منهما:
[دخلت على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والحسن والحسين يلعبان بين يديه أو في حِجْرِه، فقلت: يا رسول الله أتُحِبُّهُمَا؟! فقال: ((وكيف لا أُحِبُّهُما وهما ريحانتاي من الدنيا أشُمُّهُما))](9).
فمن هذه الأحاديث علمنا بأنه لا يحرم أن يلعب الطفل أمام المصلي، وعرفنا خطأ مَنْ يقول للطفل إذا لعب أمام المصلي: لا تفعل هذا ولا تجلس أمامه فإنه حرام. فالصحيح أنه ليس بحرامٍ البتة، والله الهادي.


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الحواشي السفلية والمراجع:
(1) رواه البخاري (1/588 فتح) ومسلم (1/366 برقم 270) وغيرهما، وفي هذا الحديث بيان واضح لعدم العمل بحديث: ((يقطع الصلاة المرأة والحمار والكلب الأسود) الذي رواه مسلم في صحيحه (1/365)، وهو حديث منسوخ كما في ((الناسخ والمنسوخ)) للحافظ أبي بكر الحازمي ص (77-78)، لا سيما وأنَّ السيدة عائشة من أهل بيته وتعرف آخر أمره صلى الله عليه وآله وسلم ولذلك أفْتَتْ بعدم قطع الصلاة بمرور شيءٍ من هذه الثلاثة. وقال الحازمي في ((الناسخ والمنسوخ)) ص(78) ناقلاً مذاهب من قالوا لا يقطع الصلاة شيء ما نصه: ((وممن ذهب إلى هذا القول عثمان وعلي وعائشة وابن عباس وابن المسيِّب وعبيدة والشعبي وعروة، وإليه ذهب مالك وأهل المدينة والشافعي وأصحابه وأكثر أهل الحجاز وسفيان وأبو حنيفة وأهل الكوفة)) انتهى.
وقد ذكر الحافظ ابن حجر في ((الفتح)) (1/588) أنَّ سعيد بن منصور روى ذلك عن سيدنا عثمان وسيدنا علي رضي الله عنهما بإسناد صحيح.
(2) رواه مسلم (1/360 برقم 250).
(3) رواه النسائي (2/65) وأبو داود (1/191) وهو حديث حسن بالشاهد الذي قبله.
(4) رواه البخاري في ((الصحيح)) (1/171) ومسلم (1/361 برقم 504) وقوله (فلم ينكر ذلك عليَّ) دال على نسخ حديث القطع، لأنَّ فيه إشعار بأنَّ ذلك كان مما يُنكر عليه ثم تُرك، وإلا لما احتاج إلى التنبيه عليه، وهذا مع ما قدّمناه من قول السيدة عائشة يقطع بنسخ حديث القطع من الاشياء الثلاث، فتنبه، والله الموفق.
(5) رواه عنه الحافظ البيهقي في ((معرفة السنن والآثار)) (3/200) بإسناد صحيح.
(6) ومما ينبغي التنبيه عليه هنا أنَّ الصلاة تصح ولا تكره في المسجد الذي فيه قبر ولا شيء في ذلك، ودليله الإجماع على فضل الصلاة في مسجد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وقبره صلى الله عليه وآله وسلم هو وصاحباه أبو بكر وعمر فيه ولا ضير في ذلك بإجماع الأمة، لكن لا يجوز ان يستقبل قبراً في صلاته أو يُصلي عليه للنهي الصحيح عن ذلك، قال ابن حجر الهيتمي في ((الزواجر)) (1/148): ((واتخاذ القبر مسجداً معناه الصلاة عليه أو إليه))، وإذا رأى في مسجد قبر يُطاف حوله أو يختلط الرجال والنساء عنده للزيارة ونحو ذلك من المنكرات فإنه يجب الإنكار بحسب الوسع وخاصة على العلماء، فإن سكتوا أثموا.
(7) رواه النسائي (2/65) وأبو داود (1/190) وغيرهما وهو صحيح.
(8) رواه أحمد (2/513) بإسناد صحيح عن أبي هريرة، ورواه أحمد (5/44) عن أبي بكرة أيضاً، ورواه الطبراني في الأوسط عن البراء بإسنادٍ حسن كما قال الحافظ الهيثمي في ((المجمع)) (9/182).
(9) روى حديث سيدنا سعد البزار (3/225 كشف الأستار) وقال الحافظ الهيثمي في ((المجمع)) (9/181): ((رجاله رجال الصحيح)) وحديث أبي أيوب رواه الطبراني وهو حسن بالشواهد.
أضف رد جديد

العودة إلى ”المذهب الشافعي“