تخريج وبيان عدم صحة حديث (شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي):

تخريج أحاديث وبيان مدى صحتها
أضف رد جديد
cisayman3
مشاركات: 299
اشترك في: السبت نوفمبر 11, 2023 8:00 pm

تخريج وبيان عدم صحة حديث (شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي):

مشاركة بواسطة cisayman3 »

وأما حديث: ((شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي)) رواه الترمذي (2436) وقال عقبه: [هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه يستغرب من حديث جعفر بن محمد].
الحسن الغريب عند الترمذي هو الحديث الضعيف الذي عمل به البعض.
وأقول بأن هذا حديث باطــل. روي هذا الحديث عن جابر بن عبدالله عند الترمذي (2436) واستغربه كما في الأعلى، وفي إسناده محمد بن ثابت وقد قال أبو حاتم وأبو زرعة عنه: ليس بالقوي، ورويَ من حديث أنس بن مالك عند الترمذي (2435) وابن حبان (14/387) واستغربه الترمذي أيضاً. وسبب ضعفه من الناحية الحديثية الإسنادية أن السند المعوَّل عليه عند من صححه هو من طريق عبدالرزاق عن معمر عن ثابت عن أنس، ورواية معمر عن ثابت ضعيفة ومضطربة وفيها أوهام كثيرة عند أئمة هذه الصناعة، قال ابن معين:
((معمر عن ثابت ضعيف)) (تهذيب الكمال 28/309)، وقال أبو حاتم: ((ما حدَّث معمر بالبصرة فيه أغاليط))، وقال يحيى: ((وحديث معمر عن ثابت وعاصم بن أبي النجود وهشام بن عروة وهذا الضرب مضطرب كثير الأوهام)) (تهذيب التهذيب 10/245)، وقال الحافظ ابن الشرقي: ((إن معمراً كان له ابن أخٍ رافضي وكان معمر يمكنه من كتبه فأدخل عليه هذا الحديث ـ في فضل عليٍّ ـ، وكان معمر مهيباً لا يقدر أحد على مراجعته فسمعه عبدالرزاق في كتاب ابن أخي معمر)) (سير أعلام النبلاء 12/367 للذهبي، وتاريخ بغداد 4/42، وتهذيب التهذيب 1/10)، ولأجل ذلك لم يخرج له البخاري أي معمر عن ثابت عن أنس إلا متابعة في موضع واحد، وكذلك مسلم أخرج له في موضع واحد حديثاً، وآخر متابعة، وهذا انتقاء منه يؤكّد ضعفه الذي قاله أولئك الأئمة، ومع ادَّعاء بعضهم صحة إسناده في الظاهر وأن رجاله رجال الصحيحين لم يخرجه صاحبا الصحيحين، ومن الغريب أيضاً أن عبدالرزاق لم يخرج الحديث في مصنفه مع أنه من جملة مروياته الموافقة لجمهور أهل السنة. ورواه أبو داود في سننه (4739) من طريق بسطام بن حريث عن أشعث الحداني عن أنس به، وبسطام هذا قال أبو حاتم فيه: ((شيخ))، أي ضعيف
(((تهذيب التهذيب)) 1/310)، وقال ابن حبان في ((الثقات)) (6/112): [بسطام بن حريث الأصفر.. يروي عن أشعث الحداني عن أنس روى عنه سليمان بن حرب، وما أرى الأشعث سمع أنساً]، وذكره أبو جعفر العُقَيلي في ((الضعفاء)) (1/29) وقال:
((في حديثه وَهَمٌ))، وقال الدارقطني: ((يعتبر به)) (تهذيب التهذيب 1/310)، فأنى يصح مثل هذا الإسناد المعارض للقطعيات!! ثم إن مسلماً روى حديث جابر بن عبدالله في صحيحه (201) وليس فيه ذِكْرٌ لأهل الكبائر ولفظه: ((لكل نبي دعوة قد دعا بها في أمته وخبأت دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة)).
هذا من ناحية الصناعة الإسنادية الحديثية.
أما جوابنا من الناحية الإخرى العقلية الأصولية فنقول: إن هذا الحديث وأمثاله معارض لما تقرر في القرآن في أصحاب الكبائر، ومعارض لما ورد في القرآن في مثل قوله تعالى: { أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النَّارِ } الزمر: 19.
ولقوله تعالى: { وَاتَّقُوا يَوْمًا لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلا تَنْفَعُهَا شَفَاعَةٌ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ } البقرة: 123، وقوله تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خُلَّةٌ وَلا شَفَاعَةٌ } البقرة: 254، وقوله تعالى: { وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ } الأنعام: 51. وقوله
تعالى: { يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يَشْفَعُونَ إِلا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ } الأنبياء: 28، فهل ارتضى الله تعالى أصحاب الكبائر ؟!
وقال تعالى: { وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الآزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلا شَفِيعٍ يُطَاعُ } غافر: 18.
قال القاضي(1): [هذا الخبر لم تثبت صحته أولاً، ولو صح فإنه منقول بطريق الآحاد عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ومسألتنا طريقها العلم، فلا يصح الاحتجاج به، ثم إنه معارَض بأخبار رويت عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم في باب الوعيد، نحو قوله: ((لا يدخل الجنة نمام ولا مدمن خمر ولا عاق))(2) وقوله: ((من قتل نفسه بحديدة فحديدته في يده يجأ بها بطنه يوم القيامة في نار جهنم خالداً مخلداً))(3) إلى غير ذلك، فليس بأن يوجد بما أوردوه أولى من أن يوجد بما رويناه، فيجب اطراحهما جميعاً، أو حمل أحدهما على الآخر، فنحمله على ما يقتضيه كتاب الله وسنة رسوله، ونقول: المراد به: شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي إذا تابوا..].
والشفاعة إنما تكون للتائبين من المؤمنين أن يقبل الله تعالى توبتهم ويدخلهم الجنة، وكذلك الشفاعة أيضاً في رفع الدرجات، ويأتي الكلام عليها إن شاء الله تعالى في موضع الكلام على الشفاعة والله الموفق.
أضف رد جديد

العودة إلى ”تخريج أحاديث وبيان مدى صحتها“