من المسائل اللغوية المبتدعة : حروف الجر تقوم مقام بعضها

مسائل لغوية ومعاني كلمات وعبارات
أضف رد جديد
الباحث المفكر
مشاركات: 244
اشترك في: الأربعاء سبتمبر 03, 2025 8:02 pm

من المسائل اللغوية المبتدعة : حروف الجر تقوم مقام بعضها

مشاركة بواسطة الباحث المفكر »

من المسائل اللغوية المبتدعة
المسألة الخامسة و العشرون :
حروف الجر تقوم مقام بعضها


منقول من كتاب القواعد اللغوية المبتدعة

قال ابن تيمية في (( مجموع الفتاوى )) (13/342) : [ ومن هنا غلط من جعل بعض الحروف تقوم مقام بعض ] .

قلت : إن منشأ إنكار ابن تيمية لقيام الحروف مقام بعضها لم يكن مبحثاً لغوياً صرفاً ، وإنما كعادته ليطوع هذا المسألة في خدمة أفكاره ويسوّغ شذوذ آرائه !!

فابن تيمية وجد ( التناوب بين الحروف ) عقبة أمام إنكاره للمجاز ، ففي مثل قول الله تعالى : { أأمنتم من في السماء }(الملك/16) ، كان لا بدّ له أن يصرف معنى ( في ) عمّا تقتضيه من الظرفية ليفر من القول بالحلول ، فإن قال : أن معنى ( في ) هو ( على ) صار مؤولاً ودخل باباً من أبوب المجاز ، ولكنه سعى هارباً ولجأ إلى اللغة ! وزعم أن حرف الجر ( في ) باق على معناه ، وأن الصارف له عن المعنى المرفوض ( أي الظرفية التي تقتضي الحلول والاتحاد ) هو معنىً آخر يتضمّنه لفظ ( السماء ) ، وقد أوضح ابن تيمية مذهبه في هذه المسألة في (( مجموع الفتاوى )) (16/101) بقوله : [ وما في الكتاب والسنة من قوله : { أأمنتم من في السماء } ونحو ذلك ، قد يفهم منه بعضهم أن السماء هي نفس المخلوق العالي العرش فما دونه ، فيقولون : قوله : { في السماء } بمعنى : على السماء ، كما قال : { ولأصلبنكم في جذوع النخل }(طه/71) ، أي : على جذوع النخل ، وكما قال : { سيروا في الأرض }(الأنعام/11) ، أي : على الأرض ، ولا حاجة إلى هذا ، بل السماء اسم جنس للعالي لا يخص شيئاً ، فقوله : { في السماء } ، أي : في العلو دون السفل ، وهو العلي الأعلى فله أعلى العلو ، وهو ما فوق العرش وليس هناك غيره ] .

ونقول : لقد تضمّنت كتب أئمة النحو القول بتناوب حروف الجر وحلول بعضها مكان بعض واستشهدوا لذلك بنصوص كثيرة من القرآن الكريم وشعر العرب ، بل خصصوا لذلك فصولاً وأبواباً في مصنفاتهم ، فهذا الثعالبي يقول في (( فقه اللغة وسر العربية )) : [ ( الفصل الثالث والخمسون ) مجمل في وقوع حروف المعنى مواقع بعض ] .

وقال ابن قتيبة في (( تأويل مشكل القرآن )) (ص 365) : [ باب دخول حروف الصفات مكان بعض ] .

وقال أبو سعيد السيرافي في (( شرح كتاب سيبويه )) (1/280) : [ وقد يبدل الشاعر بعض حروف الجر مكان بعض وليس ذلك من الضرورة ... قال النابغة الجعدي :
كَأَنَّ رَحلي وَقَد زالَ النَهارُ بِنا ..... يَومَ الجَليلِ عَلى مُستَأنِسٍ وَحِدِ(1)
أراد ( زال عنا ) ، ومثل هذا كثير وليس من الضرورة ] .

ويقول ابن جني في (( الخصائص )) (2/306) : [ ( باب في استعمال الحروف بعضها مكان بعض ) ] .

بل وصنف في هذا الباب مكي بن أبي طالب القيسي(2) كتاباً أسماه (( دخول حروف الجر بعضها مكان بعض ))(3) .

قال المبرد في (( الكامل )) : [ وحروف الخفض يبدل بعضها من بعض ، إذا وقع الحرفان في معنى في بعض المواضع ، قال الله جل ذكره : { ولأصلبنكم في جذوع النخل }(طه/71) ، أي : ( على )(4) ، ولكن الجذوع إذا أحاطت دخلت ( في ) ، لأنها للوعاء ، يقال : فلان في النخل ، أي قد أحاط به ، قال الشاعر(5) :
وَهُم صَلَبوا العَبديَّ في جِذعِ نَخلَةٍ ..... فَلا عَطَسَت شَيبانُ إِلا بَأَجدَعا(6)

وقال الله جل وعز : { أم لهم سلم يستمعون فيه }(الطور/38) ، أي : عليه .

وقال تعالى : { له معقبات من بين يديه ومن خلفه يحفظونه من أمر الله }(الرعد/11) ، أي : بأمر الله .

وقال ابن الطَثَريّة(7) :
غَدَت مِن عَلَيهِ تَنفِضُ الطَلَّ بَعدَما ..... رَأَت حاجِبَ الشَمسِ اِستَوى فَتَرَفَّعا(8)
وقال الآخر(9) :
غَدت مِن عليه بعدما تمَّ خِمسُها ..... تَصِلُّ وعن قيضٍ بزيزاء مِجهَل(10)
أي من عنده ] .

وقال أبو عبيدة في (( مجازالقرآن )) (1/14) : [ ومن مجاز الأدوات اللواتي لهن معانٍ في مواضع شتى ، فتجئ الأداة منهن في بعض تلك المواضع لبعض تلك المعاني ، ... ، وقال : { لأَصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ } ، معناه : على جذوع النّخل ، وقال : { إذا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ } ، معناه : من الناس ] .

وأقوال هؤلاء الأئمة تبطل ما زعمه ابن القيم في (( بدائع الفوائد )) (2/258) : حينما قال : [ وظاهرية النحاة يجعلون أحد الحرفين بمعنى الآخر ، وأما فقهاء أهل العربية فلا يرتضون هذه الطريقة ] ، وهل هؤلاء ممن ذكرناهم لا يفقهون العربية !!!!

ونقول : ولا حجة لمنكري تناوب الحروف وقيامها مقام بعضها إلا شُبَه تشبثوا فيها ، وهي :

الشبهة الأولى وقوع اللبس في اللغة .
قال ابن القيم في (( بدائع الفوائد )) (3/577) : [ والقاعدة أن الحروف لا ينوب بعضها عن بعض ، خوفاً من اللبس وذهاب المعنى الذي قصد بالحرف ]

قلت : وهذه شبهة لا تَرِد ! لأم من قال بتناوب الحروف اشترط الأمان من اللبس ، قال الحريري في (( درة الغواص في أوهام الخواص )) : [ إن إقامة بعض حروف الجر مقام بعض إنما جوز في المواطن التي ينتفي فيها اللبس ولا يستحيل المعنى الذي صيغ له اللفظ ] .

الشبهة الثانية : أن لكل حرف معنى ، فإن وقع محل غيره عُدِم البيان وصار الكلام ضرباً من العجمة !
والقائلون بهذه الشبهة يتصورون أن الأمر غير منضبط ، فيأتون بأي جملة ويقولون : استبدلوا الحرف هذا مكان ذاك ، حتى يظهر للسامع غرابة الكلام وعدم اتساقه ، وقد ردّ هذه الشبهة ابن جني في (( الخصائص )) (2/308) فقال : [ لكنا نقول : إنه يكون بمعناه في موضع دون موضع ، على حسب الأحوال الداعية إليه ، والمسوغة له ، فأما في كل موضع وعلى كل حال فلا ، ألا ترى أنك إن أخذت بظاهر هذا القول غفلاً هكذا ، لا مقيداً لزمك عليه أن تقول : سرت إلى زيد ، وأنت تريد : معه ، وأن تقول : زيد في الفرس ، وأنت تريد : عليه ، وزيد في عمرو ، وأنت تريد : عليه في العداوة ، وأن تقول : رويت الحديث بزيد ، وأنت تريد : عنه ، ونحو ذلك مما يطول ويتفاحش ] .

الشبهة الثالثة : القول بالتضمين واعتباره أولى في الفعل والاسم من أن يكون في الحروف .
وهنا لا بد من بيان معنى التضمين أولاً ، إذ هو كما يقول ابن هشام في (( مغني اللبيب )) (2/791) : [قد يُشربون لفظاً معنى لفظ فيعطونه حكمه ، ويسمى ذلك تضميناً ، وفائدته : أن تؤدي كلمة مؤدّى كلمتين ] .

وهذا المعنى للتضمين مقبول ويؤدي المراد ويفهم به النص فلا مانع منه ، ولكنه لا يعتبر دليلاً على منع تناوب الحروف ، وما احتج به المنكرون للتناوب هو زعمهم أن التجوز في الفعل أسهل منه في الحرف(11) ، وهذا لا يُجزم به ولا يُعدّ دليلاً ، وبما أن العرب استخدمت المجاز في الحرف(12) ، فلا نرى وجهاً لدعوى سهولة أو صعوبة التجوز في الحرف أو غيره !!! وملخص الأمر أن من رجّح التضمين لا يسعه إنكار تناوب الحروف .

[ تعقيب ]

إن المنكر تناوب حروف الجر قد قال بالتضمين(13) ، والتضمين يدخله المجاز والتوسع في اللغة على ما نص عليه ابن جني في (( الخصائص )) (2/308) بقوله : [ اعلم أن الفعل إذا كان بمعنى فعل آخر ، وكان أحدهما يتعدى بحرف والآخر بآخر ، فإن العرب قد تتسع فتوقع أحد الحرفين موقع صاحبه إيذاناً بأن هذا الفعل في معنى ذلك الآخر ] .

وقد صرح ابن تيمية بقوله في التضمين إذ قال في (( مجموع الفتاوى )) (13/342) : [ والعرب تُضَمّن الفعل معنى الفعل وتعديه تعديته ] ، وهذا منه تناقض صارخ يُنبِئك على عدم انضباط آرائه ، فهو ينكر المجاز ، ثم يُجوّز اجتماع الحقيقة والمجاز في اللفظ الواحد(14) ، وبعد ذلك يقول بالتضمين الذي يُلزمه بالمجاز الذي ينكره ، فما يعيبه في موضع يَغرق فيه في مكان آخر من حيث لا يدري !!!

قال السيوطي في (( الأشباه والنظائر )) (1/121) : [ قال الشيخ سعد الدين التفتازاني في (( حاشية الكشاف )) : فإن قيل : الفعل المذكور إن كان مستعملاً في معناه الحقيقي فلا دلالة على الفعل الآخر ، وإن كان في معنى الفعل الآخر فلا دلالة على معناه الحقيقي ، وإن كان فيهما جميعاً لزم الجمع بين الحقيقة والمجاز ] .


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الحواشي السفلية والمراجع:
(1) البيت للنابغة الذبياني ، وليس الجعدي .
(2) هو مكيّ بن أبي طالب حَمّوش بن محمد بن مختار ، أبو محمد القيسي النحوي المقرئ ، ترجمه السيوطي في (( بغية الوعاة )) (2/298) وقال عنه : [ صاحب الإعراب ، ولد في شعبان سنة خمس وخمسين وثلاثمائة ، ... ، وكان من أهل التبحر في علوم القرآن والعربية ، ... ، مات في المحرم سنة سبع وثلاثين وأربعمائة ] .
(3) ذكره ياقوت في (( معجم البلدان )) ، وابن خلكان في (( وفيات الأعيان )) .
(4) قال السكاكي في (( مفتاح العلوم )) : [ وفي للظرفية ، كنحو : المال في الكيس ، ثم تستعمل بمعنى ( على ) ، كنحو قوله تعالى : { ولأصلبنكم في جذوع النخل } ] ، وممن قال بأن ( في ) بمعنى ( على ) في هذه الآية : ابن دريد في (( جمهرة اللغة )) ، والجوهري في
(( الصحاح )) ، والمرادي في (( الجنى الداني )) ، وابن منظور في (( لسان العرب )) (1/529) ، والزبيدي في (( تاج العروس )) ، وغيرهم ممن سيجدهم الباحث بمراجعة كتب اللغة .
(5) هو قُراد بن حَنَش الصاردي ، كما ذكر أبو الحسن البصري (ت 659 هـ) في (( الحماسة البصرية )) . والقرادي شاعر جاهلي ، ذكره المرزباني في (( معجم الشعراء )) وقال عنه : [ جاهلي من شعراء غطفان المشهورين ، وهو قليل الشعر جيده . قال أبو عبيدة : كانت غطفان تغير على شعره فتأخذه وتدعيه ] .
(6) ذكره ابن قتيبة في (( أدب الكاتب )) (ص 394) ، والصاغاني في (( العباب الزاخر )) في مادة ( ش م س ) ، وابن فارس في (( الصاحبي )) ، والبصري في (( حماسة البصرية )) ، وابن منظور في (( لسان العرب )) (6/115) و (15/168) ، والزبيدي في (( تاج العروس )) ، وقد نسب ابن منظور البيت لسويد بن أبي كاهل ، ومرة لامرأة من العرب ، أما الزبيدي فنسبه لامرأة من العرب .
(7) هو يزيد بن الطثرية ، من شعراء بني أمية ، توفي سنة 126 هـ ، انظر ترجمته في (( الأعلام )) (8/183) .
(8) أعاد ذكره المبرد في (( المقتضب )) ، وذكره الجوهري في (( الصحاح )) ( مادة على ) ، ونقله عنه الزبيدي في (( تاج العروس )) .
(9) هو مزاحم بن عمرو بن مرة بن الحارث العُقيليّ ، من بني عقيل بن كعب ، ترجمه الأصبهاني في (( الأغاني )) (19/104) وقال عنه : [ بدوي شاعر فصيح إسلامي ، صاحب قصيد ورجز ، كان في زمن جرير والفرزدق ، وكان جرير يصفه ويقرظه ويقدمه ] ، وله ترجمة في (( الأعلام )) (7/211) ، وكانت وفاته سنة 120 هـ .
(10) ذكر هذا البيت سيبويه في (( الكتاب )) (4/231) ، وابن سيده في (( المخصص )) ، وابن دريد في (( جمهرة اللغة )) ، والجوهري في (( الصحاح )) ( مادة على ) ، ونسبه لمزاحم كلٌ من ابن الجواليقي في (( شرح أدب الكاتب )) ، وابن منظور في (( لسان العرب )) (11/383) ، والزبيدي في (( تاج العروس )) ( مادة جهل ) .
(11) كما ذكر ذلك ابن هشام في (( مغني اللبيب )) (2/755) .
(12) قال الفيومي في (( المصباح المنير )) : [ و ( فِي ) تَكُونُ لِلظَّرْفِيَّةِ ، حَقِيقَةً نَحْوُ زَيْدٌ فِي الدَّارِ ، أَوْ مَجَازًا نَحْوُ مَشَيْتُ فِي حَاجَتِكَ ] ، وقال العز بن عبد السلام (ت 660 هـ) في كتابه (( الإشارة إلى الإيجاز في بعض أنواع المجاز )) (ص 20) : [ وأما الحروف فقد تجوزت العرب ببعضها ] .
(13) وقد اطلعت على كتاب (( تناوب حروف الجر في لغة القرآن )) لمؤلفه الدكتور محمد حسن عواد ، أنكر فيه التناوب والتضمين معاً ، وهذه مما لم يقله قبله أحد !! وقد اعتسف تأويل النصوص والشواهد التي تخالف ما ذهب إليه ، وتكلف بما لا يُحتمل !!
(14) كما في (( شرح العمدة )) (1/391) ، وقد خالف ابن القيم شيخه في هذه المسألة ، وارتفع صوته بالنكير على من يقول بها ، كما في كتابه (( زاد المعاد )) (5/605) .
أضف رد جديد

العودة إلى ”مسائل لغوية ومعاني كلمات وعبارات“