زكاة الفطر نقداً أم طعام ؟ (بحث متكامل)

مسائل فقهية عامة
أضف رد جديد
الباحث المفكر
مشاركات: 187
اشترك في: الأربعاء سبتمبر 03, 2025 8:02 pm

زكاة الفطر نقداً أم طعام ؟ (بحث متكامل)

مشاركة بواسطة الباحث المفكر »

.
زكاة الفطر نقداً أم طعام ؟ (بحث متكامل)

صدقة الفطر
وعدم فهم النصوص
والجمود على الظواهر دون استيعاب


بسم الله الرحمن الرحيم


الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين، ورضي الله عن أصحابة البررة المتقين، أما بعد:
فهذه ورقات هي حوار مع المتجمّدين الذين لا يرون إخراج الزكاة إلا طعاماً من الأرز ونحوه، وقد أنكروا أشد الإنكار على من قال بإخراج القيمة نقداً بحجة أن من قال بإخراج القيمة نقداً خالف السنة وترك الحديث، مع أنهم هم أيضاً على حسب هذا المفهوم المعوج تركوا السنة وخالفوا الحديث، وذلك لأن الحديث جاء بإخراج صاع من شعير أو صاع من تمر، وهم يرون الإخراج بالأرز وغيره مما لم يُذْكر في الحديث عملاً بالاجتهاد والقياس ولم يلتزموا بحرفية الحديث!

فهذا الحوار معهم هم لا غير! وربما يتوهُّمُ بعضُ الناس من خلال الحوار أننا لا نقول بإخراج زكاة الفطر نقداً وننكر ذلك! والحق والواقع أننا نقول بأن الأفضل بل ربما يكون المتعين – أي المطلوب شرعاً - إخراجها نقداً اليوم! إلا إذا حصلت ظروف في بعض المجتمعات فكان إخراج الطعام فيه أفضل من النقد! ونبدأ بعرض الحوار والله المستعان فنقول:
لما قال سبحانه وتعالى: {أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ * يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ * أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ} ولما قال: {وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا} لم يعنِ بهذا الإطعام إعداد وجبة لليتيم أو للفقير والمسكين فقط وتَرْكَهُ بلا مأوى وبلا ملبس وبلا حاجيات الإنسان الأساسية في بيئته، ولبيان هذا مختصراً نقول:
الإطعام والطُّعْمة يطلقان شرعاً ولغة على الغنى والإمداد بالمال والمأكول والشراب والكسوة وغير ذلك، ومن دلائل ذلك قوله تعالى في سورة قريش: {الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ} والمراد عند جميع العقلاء وأهل الشريعة أن معنى (أطعمهم) أغناهم من جميع ألوان المال، كما قال الله تعالى: {وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنْ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ قَالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا}. مع أن مكة (في واد غير ذي زَرْع) وقد أغناهم الله تعالى بأموال التجارة على اختلاف أصنافها. وعليه فالإطعام لا يراد به ما يؤكل فقط، كما أن ما يوصف بالأكل لا يراد به الإطعام بالغذاء فقط، فقد قال تعالى: {لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} وفي قوله تعالى: {الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنْ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا}.

وقال العلامة الزَّبيدي في "تاج العروس شرح القاموس": [(والطُّعْمَةُ بالضم المأكلة ج) طُعَم (كَصُرَد) .. ويقال جعل السلطان ناحية كذا طُعْمة لفلان أي مأكلة له، وفي حديث أبي بكر: "إن الله تعالى إذا أطعم نبياً طُعْمَة ثم قبضه جعلها للذى يقوم بعده"، قال ابن الأثير: الطُّعْمة شبه الرزق، يريد به ما كان له من الفيء وغيره، وفي حديث ميراث الجد: "إن السدس الآخر طُعْمة له" أي انه زيادة على حقه، ويقال: فلان تجبى له الطعم أي الخراج والأتاوات... (و) الطُّعمة (الدعوة إلى الطعام و) أيضاً (وجه المكسب) يقال: فلان عفيف الطُّعْمة وخبيث الطُّعمة إذا كان ردئ الكسب، وفي "الأساس": هي الجهة التي منها يُرْزَق كالحِرْفَة وهو مجاز].

لا نحتاج أن نوضح الآن بأكثر من هذا لأن المعنى ظاهر واضح!
فمال هؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثاً؟!
وهنا نخاطب المتجمدين لا غير فنقول:
أصل صدقة الفطر صاع من شعير أو صاع من تمر لا غير.
وهذا هو المقصود بصاع الطعام.
والصاع يساوي (2كيلو غرام) تقريباً من الحبوب.
وهؤلاء المتمسلفون خرجوا عن النص وعمّا أُمِرْنا أن نتعبد به، بما أن العبادات توقيفية كما يقولون!
حتى أن القمح لم يكن مقصوداً بذلك كما سيتبين إن شاء الله تعالى.

وبيان ذلك أن البخاري بوب في صحيحه (باب صدقة الفطر صاع من شعير) و (باب صدقة الفطر صاع من طعام).
وقال البخاري (1511) هناك: حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ حَدَّثَنَا أَيُّوبُ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: فَرَضَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ صَدَقَةَ الْفِطْرِ أَوْ قَالَ رَمَضَانَ عَلَى الذَّكَرِ وَالْأُنْثَى وَالْحُرِّ وَالْمَمْلُوكِ: صَاعًا مِنْ تَمْرٍ أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ فَعَدَلَ النَّاسُ بِهِ نِصْفَ صَاعٍ مِنْ بُرٍّ فَكَانَ ابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا يُعْطِي التَّمْرَ فَأَعْوَزَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ مِنْ التَّمْرِ فَأَعْطَى شَعِيراً، فَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يُعْطِي عَنْ الصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ حَتَّى إِنْ كَانَ لِيُعْطِي عَنْ بَنِيَّ (يعني عن أولاد نافع مولاه) وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا يُعْطِيهَا الَّذِينَ يَقْبَلُونَهَا، وَكَانُوا يُعْطُونَ قَبْلَ الْفِطْرِ بِيَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ.
والمقصود عندهم بصاع الطعام هو الشعير..
لا اللحم ولا الفول ولا الحمص ولا القمح ولا الرز ولا الطبيخ ولا الثريد ولا غيرها.

والدليل عليه:
عن عبدالله بن عباس: توُفِّيَ النَّبيُّ صلى الله عليه وآله وسلم، وَدِرْعُهُ مرهونةٌ بعشرينَ صاعًا من الطعامِ، أخذَهُ لأَهْلِهِ.
قال ابن دقيق العيد (ت ٧٠٢هـ) في "الاقتراح" ١٠٣: (صحيح). أخرجه الترمذي (١٢١٤) واللفظ له، والنسائي (٤٦٥١)، وأحمد (٣٤٠٩) بنحوه.
وعن السيدة عائشة أم المؤمنين: تُوفِّي رسولُ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم ودِرْعُه مرهونةٌ عندَ يهوديٍّ بثلاثينَ صاعًا مِن الشَّعيرِ.
رواه ابن حبان (ت ٣٥٤هـ)، في صحيحه (٥٩٣٦).

وهنا لا نريد أن يجادلنا أحد في درع النبي صلى الله عليه وآله وسلم هل كانت مرهونة عند يهودي أم لا! فنحن نناقش العقل المتجمد ولا نناقش أصحاب العقول المستنيرة! والدرع المرهونة ليست موضوعنا الآن!
فتبين أن الطعام هو الشعير عندهم.

فعلى العقلية المتجمدة التي لا تدرك مقاصد الشريعة نقول:
كل من لم يُخْرِج (الشعير) أو (التمر) حسب ما جاء في الحديث عن ابن عمر فقد خرج عن التوقيف والنص وعن حكمة الشرع والعبادة المقررة عند الله ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم!
وأما على روايةِ أبي سعيد الخدري فزاد فيه (الأقط) أي الجميد فقط!

وفي روايةٍ أخرى زاد أبو سعيد على ابن عمر: (الأقط) و (الزبيب)!

ورفض أبو سعيد اقتراحات معاوية في إخراجها نصف صاع أي مُدَّين من حِنْطة أي قمح، وهي المسماة: (سَمْرَاءُ الشام)!

وحديث أبي سعيد الخدري الذي رواه البخاري (1506) ومسلم (985) هو الذي يقول فيه:
(كُنَّا نُخْرِجُ زَكَاةَ الْفِطْرِ صَاعًا مِنْ طَعَامٍ أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ أَوْ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ أَوْ صَاعًا مِنْ أَقِطٍ أَوْ صَاعًا مِنْ زَبِيبٍ) حَتَّى قَدِمَ عَلَيْنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ حَاجًّا أَوْ مُعْتَمِرًا فَكَلَّمَ النَّاسَ عَلَى الْمِنْبَرِ فَكَانَ فِيمَا كَلَّمَ بِهِ النَّاسَ أَنْ قَالَ: إِنِّي أَرَى أَنَّ مُدَّيْنِ مِنْ سَمْرَاءِ الشَّامِ تَعْدِلُ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ فَأَخَذَ النَّاسُ بِذَلِكَ. قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: (فَأَمَّا أَنَا فَلَا أَزَالُ أُخْرِجُهُ كَمَا كُنْتُ أُخْرِجُهُ أَبَداً مَا عِشْتُ). انتهى من البخاري ومسلم.
أقول: لم يقتنع أبو سعيد بقول معاوية إن الحنطة (القمح) يجوز إخراجها في زكاة الفطر ولا أن نصف صاع منها تعادل صاع الشعير أو صاع التمر.
أما المراد بقوله (صاعاً من طعام) فيعني بالخصوص الشعير وبالعموم هذه الأنواع الأربعة فقط (الشعير، والتمر، والأقط، والزبيب). وعند ابن عمر فقط (الشعير، والتمر) لأنه روى عن سيدنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال:
فَرَضَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وآله وسلم صَدَقَةَ الْفِطْرِ ... صَاعًا مِنْ تَمْرٍ أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ.

هذا الذي أمر به وفرضه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في صدقة الفطر! واستبدال ما فرضه رسول الله صلى الله عليه وآله لا يجوز! لأنه توقيف! (هكذا حسب العقل المتجمد نخاطب المقصودين)!

وكلمة (أو) الأولى في حديث أبي سعيد التي بعد قوله (من طعام) خطأ في الرواية، لأنهم بينوا ما كانوا يخرجونه من الأنواع التي اعتبروها طعاماً وأصل الكلام وصوابه -كما سيأتي إيضاحه- هو:
(كُنَّا نُخْرِجُ زَكَاةَ الْفِطْرِ صَاعًا مِنْ طَعَامٍ وهو إما صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ أَوْ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ أَوْ صَاعًا مِنْ أَقِطٍ أَوْ صَاعًا مِنْ زَبِيبٍ).

لأنه جاء في روايةٍ لمسلم (985) أن أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ قال: [كُنَّا نُخْرِجُ زَكَاةَ الْفِطْرِ وَرَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم فِينَا... (مِنْ ثَلَاثَةِ أَصْنَافٍ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ صَاعًا مِنْ أَقِطٍ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ) فَلَمْ نَزَلْ نُخْرِجُهُ كَذَلِكَ حَتَّى كَانَ مُعَاوِيَةُ فَرَأَى أَنَّ مُدَّيْنِ مِنْ بُرٍّ تَعْدِلُ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ قَالَ أَبُو سَعِيدٍ فَأَمَّا أَنَا فَلَا أَزَالُ أُخْرِجُهُ كَذَلِكَ].

ورواه النسائي في "السنن الكبرى" (2/27/2290) عن أبي سعيد ولفظه:
(فرض رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم صدقة الفطر صاعاً من شعير أو صاعاً من تمر أو صاعاً من أقط الزبيب في زكاة الفطر).
وليس في رواية أبي سعيد هذه ذِكْرٌ للفظ (الطعام) (!!)

فلا يتفلسفنَّ علينا متفيقه بِذِكْرِ لفظ (الطعام) ولفظ (أو) ليهرب إلى البدل (بالأرز) أو نحوه من غير المنصوص الذي فرضه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم! ويظن نفسه أنه أتى برواية قاطعة للشغب! ولذلك قلنا بأن خبر الآحاد والواحد لا يفيد العلم إنما يفيد الظن!

وللأسف لم تستوعب العقول الجامدة الحكمة الحقيقية كما لم تفهم هدف الدِّين والشريعة ونصوص الكتاب والسنة من زكاة الفطر والمقصود الأساسي منها!
ولا حول ولا قوة إلا بالله!

ثم؛ لم تكن العملة النقدية منتشرة ومتداولة ومتوفرة مع أنها موجودة ومذكورة في الكتاب والسنة لكنها نادرة وليس هناك صرف لها من أجزاء كما هو متوفر وموجود اليوم. لأنه لم تكن هناك مصانع وآلات لصناعة العملات وسكها وضربها! وكان الناس يتعاملون في غالب الأحوال بالمقايضة! وكانت أغنى أموالهم (حُمْرُ النَّعَم) أي الإبل..
ولذلك يجب أن نفهم النص ونفهم بيئة النص والحالة المحيطة به لننفذ أمر الشارع!
ولذلك لما توفَّرت الدراهم والدنانير (العملة المسكوكة) والنقد أفتوا بها.

ولذلك أقول لهؤلاء القوم عندي تسعة صيعانٍ من الشعير المنصوص عليه في البخاري ومسلم فهل أُخرجها وأَسُدُّ بها رمق الفقير أو أعطيكها أيها المخالف لتوسع بها على الفقراء؟!
وفي روايةٍ لمسلم (985) أن أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ قال: [كُنَّا نُخْرِجُ زَكَاةَ الْفِطْرِ وَرَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم فِينَا... (مِنْ ثَلَاثَةِ أَصْنَافٍ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ صَاعًا مِنْ أَقِطٍ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ) فَلَمْ نَزَلْ نُخْرِجُهُ كَذَلِكَ حَتَّى كَانَ مُعَاوِيَةُ فَرَأَى أَنَّ مُدَّيْنِ مِنْ بُرٍّ تَعْدِلُ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: فَأَمَّا أَنَا فَلَا أَزَالُ أُخْرِجُهُ كَذَلِكَ].
وهذا يفيد أن (أو) التي بعد لفظة (صاعاً من طعام) خطأ، أو هي لبيان ما هو نوع الطعام المأمور به كما أسلفنا!

وحديث (طعمة للمساكين)(*) حديث غير صحيح من ناحية الإسناد، لأنَّ في إسناده سَيَّارَ الصَّدَفيَّ وقد قال فيه أبو حاتم الرازي "شيخ"، ومعناه عنده: (ضعيف)! وفيه أبو يزيد الخولاني وصفه بعضهم بالصدق وهو مجهول على التحقيق، والحديث مروي أيضاً عن ابن عباس وليس فيه هذه اللفظة وهو:
(عن أبي رجاء قال سمعت ابن عباس يخطب على منبركم - يعني منبر البصرة - يقول صدقة الفطر صاع من طعام التمر في زكاة الفطر) رواه النسائي في "السنن الكبرى" (2/26).
وإليكم تفصيل الكلام في (الطعام) وما يتعلق بهذا الأمر من كلام الحافظ ابن حجر في شرح حديث أبي سعيد في "فتح الباري" (3/373):
[وَقَدْ حَكَى الْخَطَّابِيُّ أَنَّ الْمُرَادَ بِالطَّعَامِ هُنَا الْحِنْطَةُ وَأَنَّهُ اِسْمٌ خَاصٌّ بِهِ قَالَ: وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ ذِكْرُ الشَّعِيرِ وَغَيْرِهِ مِنْ الْأَقْوَاتِ وَالْحِنْطَةِ أَعْلَاهَا فَلَوْلَا أَنَّهُ أَرَادَهَا بِذَلِكَ لَكَانَ ذِكْرُهَا عِنْدَ التَّفْصِيلِ كَغَيْرِهَا مِنْ الْأَقْوَاتِ وَلَا سِيَّمَا حَيْثُ عُطِفَتْ عَلَيْهَا بِحَرْفِ " أَوْ " الْفَاصِلَةِ،... وَقَدْ رَدَّ ذَلِكَ اِبْنُ الْمُنْذِرِ وَقَالَ: ظَنَّ بَعْضُ أَصْحَابِنَا أَنَّ قَوْلَهُ فِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ "صَاعاً مِنْ طَعَامٍ" حُجَّةٌ لِمَنْ قَالَ صَاعًا مِنْ حِنْطَةٍ، وَهَذَا غَلَطٌ مِنْهُ، وَذَلِكَ أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ أَجْمَلَ الطَّعَامَ ثُمَّ فَسَّرَهُ، ثُمَّ أَوْرَدَ طَرِيقَ حَفْصِ بْنِ مَيْسَرَةَ الْمَذْكُورَةَ فِي الْبَابِ الَّذِي يَلِي هَذَا وَهِيَ ظَاهِرَةٌ فِيمَا قَالَ وَلَفْظُهُ: "كُنَّا نُخْرِجُ صَاعًا مِنْ طَعَامٍ، وَكَانَ طَعَامُنَا الشَّعِيرَ وَالزَّبِيبَ وَالْأَقِطَ وَالتَّمْرَ" وَأَخْرَجَ الطَّحَاوِيُّ نَحْوَهُ مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى عَنْ عِيَاضٍ وَقَالَ فِيهِ: "وَلَا يُخْرِجُ غَيْرَهُ" قَالَ وَفِي قَوْلِهِ "فَلَمَّا جَاءَ مُعَاوِيَةُ وَجَاءَتْ السَّمْرَاءُ" دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهَا لَمْ تَكُنْ قُوتًا لَهُمْ قَبْلَ هَذَا، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهَا لَمْ تَكُنْ كَثِيرَةً وَلَا قُوتًا فَكَيْفَ يُتَوَهَّمُ أَنَّهُمْ أَخْرَجُوا مَا لَمْ يَكُنْ مَوْجُودَاً؟ اِنْتَهَى كَلَامُهُ. وَأَخْرَجَ اِبْنُ خُزَيْمَةَ وَالْحَاكِمُ فِي صَحِيحَيْهِمَا مِنْ طَرِيقِ اِبْنِ إِسْحَاقَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُثْمَانَ بْنِ حَكِيمٍ عَنْ عِيَاضِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ أَبُو سَعِيدٍ وَذَكَرُوا عِنْدَهُ صَدَقَةَ رَمَضَانَ فَقَالَ "لَا أُخْرِجُ إِلَّا مَا كُنْت أُخْرِجُ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: صَاعُ تَمْرٍ أَوْ صَاعُ حِنْطَةٍ أَوْ صَاعُ شَعِيرٍ أَوْ صَاعُ أَقِطٍ، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ مِنْ الْقَوْمِ: أَوْ مُدَّيْنِ مِنْ قَمْحٍ، فَقَالَ: لَا تِلْكَ قِيمَةُ مُعَاوِيَةَ مَطْوِيَّةٌ لَا أَقْبَلُهَا وَلَا أَعْمَلُ بِهَا" ..........
وَذُكِرَ أَنَّ مُعَاوِيَةَ بْنَ هِشَامٍ رَوَى فِي هَذَا الْحَدِيثِ عَنْ سُفْيَانَ "نِصْفُ صَاعٍ مِنْ بُرٍّ" وَهُوَ وَهْمٌ وَأَنَّ اِبْنَ عُيَيْنَةَ حَدَّثَ بِهِ عَنْ اِبْنِ عَجْلَانَ عَنْ عِيَاضٍ فَزَادَ فِيهِ "أَوْ صَاعًا مِنْ دَقِيقٍ" وَأَنَّهُمْ أَنْكَرُوا عَلَيْهِ فَتَرَكَهُ، قَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَذِكْرُ الدَّقِيقِ وَهْمٌ مِنْ اِبْنِ عُيَيْنَةَ. وَأَخْرَجَ اِبْنُ خُزَيْمَةَ أَيْضَاً مِنْ طَرِيقِ فُضَيْلِ بْنِ غَزْوَانَ عَنْ نَافِعٍ عَنْ اِبْنِ عُمَرَ قَالَ: "لَمْ تَكُنْ الصَّدَقَةُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَّا التَّمْرُ وَالزَّبِيبُ وَالشَّعِيرُ وَلَمْ تَكُنْ الْحِنْطَةُ " وَلِمُسْلِمٍ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ عِيَاضٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ" كُنَّا نُخْرِجُ مِنْ ثَلَاثَةِ أَصْنَافٍ: صَاعًا مِنْ تَمْرٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ أَقِطٍ، أَوْ صَاعَاً مِنْ شَعِيرٍ" وَكَأَنَّهُ سَكَتَ عَنْ الزَّبِيبِ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ لِقِلَّتِهِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الثَّلَاثَةِ الْمَذْكُورَةِ ......
وَقَالَ اِبْنُ الْمُنْذِرِ أَيْضًا: لَا نَعْلَمُ فِي الْقَمْحِ خَبَرَاً ثَابِتَاً عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وَسَلَّمَ يُعْتَمَدُ عَلَيْهِ، وَلَمْ يَكُنْ الْبُرُّ بِالْمَدِينَةِ ذَلِكَ الْوَقْتَ إِلَّا الشَّيْءُ الْيَسِيرُ مِنْهُ.. انتهى].
هذا ملخص كلام الحافظ ابن حجر من "الفتح"!

فيا معاشر المتجمدين من أين جئتم بالأرز؟! ولم يقبلوا البُرَّ والدقيق! رفضه أبو سعيد الخدري راوي الحديث المضطرب الذي تتمسكون به في الإطعام والطُّعْمة!

وقال البخاري في صحيحه: (بَاب الْعَرْضِ فِي الزَّكَاةِ وَقَالَ طَاوُسٌ قَالَ مُعَاذٌ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لِأَهْلِ الْيَمَنِ ائْتُونِي بِعَرْضٍ ثِيَابٍ خَمِيصٍ أَوْ لَبِيسٍ فِي الصَّدَقَةِ مَكَانَ الشَّعِيرِ وَالذُّرَةِ أَهْوَنُ عَلَيْكُمْ وَخَيْرٌ لِأَصْحَابِ النَّبِيِّ F بِالْمَدِينَةِ ... وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَصَدَّقْنَ وَلَوْ مِنْ حُلِيِّكُنَّ فَلَمْ يَسْتَثْنِ صَدَقَةَ الْفَرْضِ مِنْ غَيْرِهَا فَجَعَلَتْ الْمَرْأَةُ تُلْقِي خُرْصَهَا وَسِخَابَهَا وَلَمْ يَخُصَّ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ مِنْ الْعُرُوضِ).

وقد روى البخاري (964و5881) ومسلم (884) وأحمد واللفظ له بإسناد صحيح قال:
(حَدَّثَنَا بَهْزٌ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، قَالَ أَخْبَرَنِي عَدِيُّ بْنُ ثَابِتٍ، قَالَ: سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ يُحَدِّثُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ فِي فِطْرٍ فَلَمْ يُصَلِّ قَبْلَهَا وَلَا بَعْدَهَا ثُمَّ أَتَى النِّسَاءَ وَمَعَهُ بِلَالٌ فَجَعَلَ يَقُولُ تَصَدَّقْنَ فَجَعَلَتْ الْمَرْأَةُ تُلْقِي خُرْصَهَا وَسِخَابَهَا).

ففي الفطر أمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم النساء بالصدقة فتصدقنَ بِحُلِيِّهِنَّ وهذه عندنا هي القيمة في زكاة الفطر المأخوذة بالنص لا بالاستنباط في يوم الفطر! والعلماء مختلفون في معنى هذا الحديث وعندنا أنها شاملة لزكاة الفطر ولغيرها من الصدقات للقادر كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يجمعها ويوزّعها على أهل الحاجة فيغنيهم! ولا يستطيع أحد أن يمنع ما قررناه!

وأما مذهب السلف رضي الله عنهم في إخراج الدراهم في صدقة الفطر:
فروى ابن أبي شيبة في "المصنف" (2/398) قال:
[حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ زُهَيْرٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا إِسْحَاقَ (السبيعي 33-127هـ) يَقُولُ: أَدْرَكْتهمْ وَهُمْ يُعْطُونَ فِي صَدَقَةِ رَمَضَانَ الدَّرَاهِمَ بِقِيمَةِ الطَّعَامِ].
إسناده صحيح ورجاله ثقات.
وأبو إسحاق السبيعي ولد لسنتين من خلافة سيدنا عثمان وتوفي سنة (127هـ) وهو ابن ست وتسعين سنة، يروي عن الصحابة وأبناء الصحابة وجماعة من كبار التابعين.

وقال ابن أبي شيبة هناك:
[حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ قُرَّةَ، قَالَ جَاءَنَا كِتَابُ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ فِي صَدَقَةِ الْفِطْرِ نِصْفُ صَاعٍ، عَنْ كُلِّ إنْسَانٍ أَوْ قِيمَتُهُ نِصْفُ دِرْهَمٍ].
قلت: وهذا إسناد صحيح رجاله رجال الصحيح، وقرة بن خالد توفي سنة (154هـ).

وقال ابن أبي شيبة هناك أيضاً:
[حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ هِشَامٍ، عَنِ الْحَسَنِ، قَالَ: لاَ بَأْسَ أَنْ تُعْطِيَ الدَّرَاهِمَ فِي صَدَقَةِ الْفِطْرِ].
وإسناده صحيح.
وهذا كله بعد قوله تعالى:
{وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ} المعارج:24.

وما رواه أحمد في المسند (1/280) بسند صحيح قال:
[حَدَّثَنَا بَهْزٌ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ أَخْبَرَنِي عَدِيُّ بْنُ ثَابِتٍ قَالَ سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ يُحَدِّثُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ فِي فِطْـرٍ فَلَمْ يُصَلِّ قَبْلَهَا وَلَا بَعْدَهَا ثُمَّ أَتَى النِّسَاءَ وَمَعَهُ بِلَالٌ فَجَعَلَ يَقُولُ: ((تَصَدَّقْنَ)) فَجَعَلَتْ الْمَرْأَةُ تُلْقِي خُرْصَهَا وَسِخَابَهَا].

وقوله في الفطر: (تصدقن) أي: صدقة فطركنَّ، فجعلن يتصدقن بالذهب من حُلِيِّهِنَّ!
وقال المعلقون على المسند: [إسناده صحيح على شرط الشيخين].

وهذا رواه أيضاً البخاري (964) و (4895)، ومسلم (884)، وأبو داود (1142)، وابن حبان في الصحيح (8/117) وجاء في روايته:
عن ابن عباس، قال: خرجت أنا، والحسن، والحسين، وأسامة بن زيد، يوم فطر، وخرج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى المصلى، فصلى بنا، ثم خطب صلى الله عليه وآله وسلَّم، فقال: (يا أيها الناس إن هذا يوم صدقة فتصدقوا) قال: فجعل الرجل ينزع خاتمه والرجل ينزع ثوبه وبلال يقبض حتى إذا لم ير أحداً يعطي شيئاَ تقدَّم إلى النساء فقال: (يا معشر النساء إن هذا يوم صدقة فتصدقن) فجعلت المراة تنزع خُرْصها وخاتمها وجعلت المرأة تنزع خلخالها، وبلال يقبض حتى إذا لم ير أحداً يعطي شيئاً أقبل بلال وأقبلنا.

فتلخص من هذا كله أن زكاة الفطر تجوز بالذهب والمال وكل ما يسد حوائج الفقير وأن المتزمتين المتظاهرين بأنهم يتمسكون بما ورد في النصوص عليهم أن يلتزموا بالشعير حباً وليس دقيقاً وبالتمر، وأنَّ لفظ (طُعمة للمساكين) لا يصح ومعناه رزق ومال لا كما يتوهمون فتشبث بعضهم به لما يريدون باطل لا يُلْتَفَتُ إليه، ولا يعوَّل عليه.
إلى هنا الآن يكفي، وللحق كرةٌ بعد كرةٍ، والله أعلم.


كتبه: حسن بن علي السقاف

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الحواشي السفلية والمراجع:
(*) الحديث: مروي من طرق مدارها على [....مروان بن محمد، حدثنا أبو يزيد الخولاني، عن سيار بن عبد الرحمن الصدفي، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: فرض رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم زكاة الفطر طهرة للصائم من اللغو والرفث وطعمة للمساكين فمن أداها قبل الصلاة فهي زكاة مقبولة ومن أداها بعد الصلاة فهي صدقة من الصدقات]. رواه أبو داود (1609)، وابن ماجه (1827)، والدارقطني (2/138) والحاكم (1/568،رقم 1488) وقال: صحيح على شرط البخارى، والبيهقي (4/162). قلت: مَنْ دونَ عكرمة لم يخرج لهم البخاري. قال ابن عبد الهادي في "المحرر في الحديث" (1/349) وأخَذَه من ابن دقيق العيد في "الإلمام" (1/323): وزاد عليه: [وَلَيْسَ كَمَا قَالَ، فَإِن سياراً وَأَبا يزِيد لم يخرج لَهما الشَّيْخَانِ، وَأَبُو يزِيد الْخَولَانِيّ - هُوَ الصَّغِير - قَالَ فِيهِ مَرْوَان بن مُحَمَّد (شيخ صدق). وسيار، قَالَ أَبُو زرْعَة: (لَا بَأْس بِهِ). وَقَالَ أَبُو حَاتِم: (شيخ) وَذكره ابْن حبَان فِي "الثِّقَات" وَقَالَ الدراقطني: (رُوَاة هَذَا الحَدِيث لَيْسَ فيهم مَجْرُوح). وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد الْمَقْدِسِي: (هَذَا إِسْنَاد حسن). وَالله أعلم]. والصواب أن الخولاني مجهول الحال، وسيار ضعيف لأن الشيخ عند أبي حاتم ضعيف الحديث. ثم الحديث مروي بلفظ آخر ليس فيه لفظ (طُعمة)!
أضف رد جديد

العودة إلى ”مسائل فقهية عامة“