.
حكم (الجماع، الإنزال عن عمد، الإستمناء ونزول المذي) للصائم
من كتاب صحيح صفة صيام النبي صلى الله عليه وآله وسلم
ومن المفطرات
(2) الجماع والإنزال عن عمد
قال تعالى: {أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتَانُونَ أَنفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمْ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنْ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنْ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ} البقرة:187.
والرفث ههنا الجماع، فبيَّن سبحانه أن الرَّفث ليلاً جائز والليل شرعاً يبدأ من حين تغرب الشمس وينتهي بطلوع الفجر. والمقصود من الصوم هو تدريب النفس على الطاعات والصبر عن شهوة البطن وشهوة الفرج وعن الشتم والفسق حتى يتعود على ترك الشتم والفسق طوال السنة.
ثم قال تعالى {وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ} البقرة:187.
قال الإمام النووي(1): ((أجمعت الأمة على تحريم الجماع في القبل والدبر على الصائم و(أجمعت) – الأمة - على أن المجامع يَبْطُلُ صومه للآيات الكريمة.. والأحاديث الصحيحة.. وسواء أنزل أم لا فيبطل صومه في الحالين بالإجماع لعموم الآية والأحاديث.
وإذا قَبَّلَ أو باشر فيما دون الفرج أو لمس بشرة امرأة بيده أو غيرها فإن أنزل منياً بطل صومه وإلا فلا)) لما روى أبو داود وغيره عن جابر قال: قال عمر بن الخطاب: هششت فقبلت وأنا صائم، فقلت: يا رسول الله صنعت اليوم أمراً عظيماً، قبَّلت وأنا صائم، قال: ((أرأيت لو مضمضت من الماء وأنت صائم؟!)) قلت: لا بأس به. قال: ((فمه))(2).
قال الشيرازي(3): فشبَّه القبلة بالمضمضة وقد ثبت أنه إذا تمضمض فوصل الماء إلى جوفه أفطر وإن لم يصل لم يُفطر فدلَّ على أن القبلة مثلها(4).
((وذكر صاحب الحاوي وغيره الإجماع على بطلان صوم مَنْ قَبَّلَ أو باشر دون الفرج فأنزل))(5). لكن خالف في ذلك ابن حزم كما في المحلى وحكاه عنه الحافظ في الفتح كما سيأتي بعد أسطر هنا في المسألة التالية.
وعن السيدة عائشة قالت: ((كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يُقَبِّل ويباشر وهو صائم وكان أملككم لإِربْهِ))(6). ومعنى لإربه: أي لحاجته أو لشهوته(7).
(مسألة): لو قَبَّلَ امرأة أو لمسها فأمذى(8) لم يفطر وبه قال الشافعي، وحكاه ابن المنذر عن الحسن البصري والشعبي والأوزاعي وأبي حنيفة وأبي ثور قال: وبه أقول. وقال مالك وأحمد: يفطر(9). دليلنا أنه خارج لا يوجب الغسل فأشبه البول(10). قال الحافظ ابن حجر في ((الفتح)) (4/151): ((واختلف فيما إذا باشر أو قبَّل أو نظر فأنزل أو أمذى، فقال الكوفيون والشافعي: يقضي إذا أنزل في غير النظر ولا قضاء في الإمذاء، وقال مالك وإسحق: يقضي في كل ذلك ويُكَفِّر إلا في الإمذاء فيقضي فقط، واحتج له بأنَّ الإنزال أقصى ما يطلب بالجماع من الالتذاذ في كل ذلك، وتعقب بأن الأحكام علقت بالجماع ولو لم يكن إنزال فافترقا.... وقال ابن قدامة: إن قبَّل فأنزل أفطر بلا خلاف، كذا قال وفيه نظر، فقد حكى ابن حزم أنه لا يفطر ولو أنزل وقوَّى ذلك وذهب إليه)).
(مسألة): إذا استمنى بيده وهو استخراج المني أفطر لأنه أجنب مختاراً متعمداً فكان كالمجامع(11). ولأنه إذا بطل بالوطء بلا إنزال فبالإنزال بمباشرة فيها نوع شهوة أولى(12).
ولأن المقصود من الصوم الامتناع من الشهوات وخاصة شهوة البطن والفرج فإذا أنزل متعمداً بالاستمناء خرق مقصود الصيام فكان مفطراً.
(مسألة): إذا احتلم وهو نائم فلا يفطر بالإجماع لأنه مغلوب و {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} البقرة:286.
(مسألة): قال الإمام النووي(13): ((إذا جامع قبل الفجر ثم نزع مع طلوعه... وأنزل لم يبطل صومه لأنه تولَّد من مباشرة مباحة فلم يجب فيه شيء)).
قلت: بشرط أن لا يكون متلاعباً بأن قصد وعزم على أن يجامع فإذا طلع الفجر نزع لينزل عقيب الفجر فإنه يكون ههنا قاصداً للإنزال بعد طلوع الفجر.
(مسألة): قال الشيخ الحِلِّي في "تذكرة الفقهاء"(14): [ولو نظر إلى ما لا يحل النظر إليه عامداً بشهوة فأمنى، قال الشيخ(15): عليه القضاء. ولو كان نظره إلى ما يحل له النظر إليه فأمنى لم يكن عليه شيء.
ولو أصغى أو تسمَّعَ إلى حديث فأمنى لم يكن عليه شيء عملاً بأصالة البراءة.
وقال الشافعي وأبو حنيفة والثوري: لا يفسد الصوم بالإنزال عقيب النظر مطلقاً لأنه إنزال من غير مباشرة فأشبه الإنزال بالفكر.
وقال أحمد ومالك والحسن البصري وعطاء: يفسد به الصوم مطلقاً، لأنه إنزال بفعل يتلذذ به ويمكن التحرُّز عنه فأشبه الإنزال باللمس...، ولو قلنا بالإفساد بالنظر فلا فرق بين التكرار وعدمه وبه قال مالك، وقال أحمد لا يفسد إلا بالتكرار. ولو فكَّر فأمنى لم يفطر وبه قال الشافعي. وقال أصحاب مالك: يفطر. وتكره القُبْلَةُ للشاب الذي تُحَرِّك القُبْلة شهوته، ولا تكره لمن يملك إرْبه، لأنَّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يقبِّل وهو صائم وكان أملك الناس لإرْبه. ولو أمذى بالتقبيل لم يفطر عند علمائنا وبه قال أبو حنيفة والشافعي وهو مروي عن الحسن والشعبي والأوزاعي.
وقال مالك وأحمد: يفطر] انتهى من "تذكرة الفقهاء" للحِلِّي.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الحواشي السفلية والمراجع:
(1) رحمه الله تعالى في "المجموع شرح المهذب" (6/321).
(2) رواه الدارمي (1661) وأبو داود (2385) وأحمد في المسند (1/21و52) قال الحافظ في "الفتح" (4/152): ((أخرجه أبو داود والنسائي من حديث عمر، قال النسائي: منكر، وصححه ابن خزيمة وابن حبان والحاكم)) لكن لم أجد ذلك في سنن النسائي الكبرى أعني وصفه بالنكارة.
(3) رحمه الله تعالى في المهذب، انظر "المجموع" للإمام النووي (6/321).
(4) ومثل هذا أيضاً ذكره الحافظ ابن حجر في "الفتح" (4/152) نقلاً عن المازري.
(5) انظر "المجموع" للنووي (6/322) وهو في الحاوي للماوردي (3/438).
(6) رواه البخاري في الصحيح (1927)، ومسلم (1106).
(7) انظر فتح الباري (4/151).
(8) انتبه هنا لم يقل فأمنى بل قال فأمذى، والمذي هو الماء اللزج الخارج في حالة ثوران الشهوة.
(9) لأنه عنده خارج تخلله شهوة فإذا انضم إلى المباشرة أفطر به كالمني، انظر مغني الحنابلة (3/47).
(10) هذا كلام النووي في "المجموع" (6/323) ومثله الحلي في "تذكرة الفقهاء" (6/45).
(11) هكذا قال الحلي في "تذكرة الفقهاء" (6/44).
(12) هكذا قال الشيخ زكريا الأنصاري في شرح بهجة ابن الوردي (2/211).
(13) في "المجموع شرح المهذب" (6/322).
(14) التذكرة (6/24).
(15) عزاه المحقق في الحاشية للطوسي في المبسوط (1/272).
حكم (الجماع، الإنزال عن عمد، الإستمناء ونزول المذي) للصائم
مسائل فقهية عامة
-
الباحث المفكر
- مشاركات: 187
- اشترك في: الأربعاء سبتمبر 03, 2025 8:02 pm
الانتقال إلى
- القرآن الكريم وتفسيره
- ↲ تفسير آية أو آيات كريمة
- ↲ أبحاث في التفسير وعلوم القرآن الكريم
- الحديث النبوي الشريف وعلومه
- ↲ قواعد المصطلح وعلوم الحديث
- ↲ تخريج أحاديث وبيان مدى صحتها
- ↲ شرح الحديث
- ↲ التراجم والرجال: الصحابة والعلماء وغيرهم
- ↲ أحاديث العقائد
- العقائد والتوحيد والإيمان
- ↲ القواعد والأصول العقائدية
- ↲ مسائل وقضايا التوحيد والإيمان
- ↲ أقوال لأئمة وعلماء ومشايخ في العقيدة ومدى صحتها عنهم
- ↲ قضايا ومسائل لغوية تتعلق بالعقائد
- ↲ الفرق والمذاهب وما يتعلق بها
- ↲ عرض عقائد المجسمة والمشبهة والرد عليها
- التاريخ والسيرة والتراجم
- ↲ السيرة النبوية
- ↲ قضايا تاريخية
- ↲ سير أعلام مرتبطة بالتاريخ والأحداث السياسية الغابرة
- ↲ معاوية والأمويون والعباسيون
- الفكر والمنهج والردود
- ↲ توجيهات وتصحيح لأفكار طلبة العلم والمنصفين من المشايخ
- ↲ الردود على المخالفين
- ↲ مناهضة الفكر التكفيري والرد على منهجهم وأفكارهم
- ↲ أسئلة وأجوبة عامة
- الفقه وأصوله
- ↲ القواعد الأصولية الفقهية
- ↲ مسائل فقهية عامة
- ↲ المذهب الحنفي
- ↲ المذهب المالكي
- ↲ المذهب الشافعي
- ↲ المذهب الحنبلي
- علوم اللغة العربية
- ↲ النحو والصرف
- ↲ مسائل لغوية ومعاني كلمات وعبارات
- الكتب الإلكترونية
- ↲ كتب العلامة المحدث الكوثري
- ↲ كتب السادة المحدثين الغماريين
- ↲ كتب السيد المحدث حسن السقاف
- ↲ كتب مجموعة من العلماء
- المرئيات
- ↲ العقيدة والتوحيد: شرح متن العقيدة والتوحيد
