وجوب الصوم وشروطه

المذهب الشافعي
أضف رد جديد
الباحث المفكر
مشاركات: 187
اشترك في: الأربعاء سبتمبر 03, 2025 8:02 pm

وجوب الصوم وشروطه

مشاركة بواسطة الباحث المفكر »

.
شروط الصوم وأدلة وجوبه

من كتاب صحيح صفة صيام النبي صلى الله عليه وآله وسلم

وجوب الصوم وشروطه الإسلام والبلوغ والعقل والقدرة وعدم المانع

ثبت وجوب الصوم بالكتاب والسنة وإجماع الأمة، قال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمْ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} سورة البقرة: 183. وقوله تعالى {فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمْ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} سورة البقرة: 185.

وحديث ((بني الإسلام على خمس)) رواه البخاري (8) ومسلم (16). وذكر منها صوم رمضان، وحديث الأعرابي الذي سأل رسول الله عن الإسلام وفيه: ((وصيام شهر رمضان قال: هل عليَّ غيرُهُ؟ قال: لا إلا أن تطوَّع)) رواه البخاري (46) ومسلم (11).

وقد انعقد الإجماع على وجوبه ولا خلاف فيه بين من يُعْتَدُّ به من الأمة، ويكفر من أنكر وجوبه لأنه من المعلوم من الدِّين بالضرورة.

تعريف الصوم لغة: الصوم في لغة العرب هو الإمساك عن الشيء أي عدم فعله، ومنه قوله تعالى عن السيدة مريم: {فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنسِيًّا} سورة مريم: 26.
وأما تعريف الصوم شرعاً: فالصوم في الشرع إمساك مخصوص من شخص مخصوص في وقت مخصوص بشروط مخصوصة.

ونستطيع أن نعبر عن ذلك بقولنا: هو إمساك المسلم عن أشياء مخصوصة منها الطعام والشراب والجماع من طلوع الفجر الصادق إلى غروب الشمس بشروط مخصوصة منها نية الصوم تقرباً لله تعالى.

1- أول شروط وجوب الصوم:
الإسلام
فلا يجب على غير المسلم وهو الكافر الأصلي في شرعنا فلا يصح منه لأنه ليس من أهل العبادة، ولقوله تعالى: {فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمْ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} سورة البقرة: 185 أي منكم أيها المؤمنون المسلمون، وللأحاديث الواردة في ذلك.

فالمرتد يجب عليه قضاء ما مرَّ أو وقع منه في زمن الردة بخلاف الكافر الأصلي فليس عليه قضاء كالصلاة، لأنَّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يطالب من أسلم من الكفار بقضاء الصيام وغيره.
وأما المرتد فهو مسلم في الأصل وإن كان كافراً في حال ردته فهو مطالب بما يطالب به المسلمون ومطالب بالعودة للإسلام. وقد طالب أبو بكر الصدِّيق مانعي الزكاة بأدائها إذ قال: والله لو منعوني عناقاً كانوا يؤدونها إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لقاتلتهم على منعها. قال عمر: فما هو إلا أن شرح الله صدر أبي بكر فعرفت أنه الحق(1).

2و3- وثاني وثالث الشروط:
البلوغ والعقل
فلا يجب على الصبي ولا على المجنون لقوله صلى الله عليه وآله وسلم: ((رُفِعَ القلم عن ثلاثة، عن الصبي حتى يبلغ، وعن النائم حتى يستيقظ، وعن المجنون حتى يفيق))(2).
وإنما يستحب لولي الطفل أن يأمره بالصيام ليتعوَّد ويتدرب عليه.

[فائدة]: عقد البخاري باباً في كتاب الصيام من صحيحه سماه: (باب صوم الصبيان). روى فيه عن الرُّ بَيِّع بنت مُعَوِّذ قالت: أرسل النبي صلى الله عليه وآله وسلم غداة عاشوراء إلى الأنصار: من أصبح مفطراً فليتم بقية يومه ومن أصبح صائماً فليصم. قالت: فكنا نصومه بعد ونصوِّم صبياننا ونجعل لهم اللعبة من العِهْن(3)، فإذا بكى أحدهم على الطعام أعطيناه ذاك حتى يكون عند الإفطار(4). ورواه مسلم (1136) بلفظ: ((ونصنع لهم اللعبة من العِهْن فنذهب به معنا فإذا سألونا الطعام أعطيناهم اللعبة تلهيهم حتى يتموا صومهم)). قال الحافظ ابن حجر في شرح هذا الباب من "الفتح" (4/200): [واستحب جماعة من السلف منهم ابن سيرين والزهري وقال به الشافعي أنهم ـ أي الصبيان ـ يؤمرون به للتمرين عليه إذا أطاقوه، وحَدَّه أصحابُه بالسبع والعشر كالصلاة، وحدَّه إسحق باثنتي عشرة سنة، وأحمد في رواية بعشر سنين، وقال الأوزاعي إذا أطاق الصوم ثلاثة أيام تباعاً لا يضعف فيهنَّ حُمِلَ على الصوم، والمشهور عند المالكية أنه لا يشرع في حق الصبيان]. قلت: وإذا تربى الأطفال على طاعة الله تعالى أحبوا الصوم وصاموا دون تكلف في السابعة والثامنة.

4- ورابع الشروط:
القدرة على الصوم
فالذي لا يقدر على الصوم أصلاً أو لو صام لأضرَّ به الصوم ضرراً غير محتمل لكبر السن أي لشيخوخةٍ أو مرض لا يرجى شفاؤه فلا يستطيع أن يؤدي الصيام أداء أو قضاء بحيث يجد ألماً أو تعباً شديداً لا خفيفاً فلا يجب عليهم الصوم. ويلزم هؤلاء لكل يوم مُدٌّ(5) من طعام لقوله تعالى: {وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ} البقرة:184 ومعنى الآية: وعلى الذين لا يطيقون فدية طعام مسكين(6). وقال تعالى: {فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} البقرة:184 تقدير الآية: فأفطر {فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} البقرة:185.

5- وخامس شروط وجوب الصوم:
عدم وجود الحيض والنِّفَاس بالنسبة للمرأة
روى مسلم في الصحيح (335) عن معاذة قالت: سألت عائشة فقلت: ما بال الحائض تقضي الصوم ولا تقضي الصلاة؟! فقالت: أحرورية أنت؟! قلت: لست بحرورية! ولكني أسأل! فقالت: كان يصيبنا ذلك فنؤمر بقضاء الصوم ولا نؤمر بقضاء الصلاة.

والحرورية طائفة من الخوارج اجتمعوا في حَرُوراء وهي قرب الكوفة للخروج على سيدنا علي عليه السلام.

قال الإمام النووي رحمه الله تعالى(7): ((لا يصح صوم الحائض والنُّفَسَاء ولا يجب عليهما ويحرم عليهما ويجب قضاؤه وهذا كله مجمع عليه، ولو أمسكت لا بنية الصوم لم تأثم وإنما تأثم إذا نوته وإن كان لا ينعقد)).

ويخاطب المريض والمسافر والمرتد والحائض والنُّفَساء بالقضاء دون الأداء، فإن تكلَّف المريض والمسافر فصاما صحَّ دون المرتد والحائض والنُّفَسَاء.

وإذا أسلم الكافر أو بلغ الصبي أو أفاق المجنون من جنونه فيندب لهم إمساك بقية النهار كما يندب القضاء ولا يجب أي واحد منهما، وإن بلغ الصبي أو الصبية وهما صائمان لزمهما الإمساك، ولو طهرت الحائض أمسكت ندباً(8) وتقضي حتماً(9) ، وإذا قدم المسافر أو بَرِئَ المريض وهما مفطران فيسنُّ لهما أن يُمْسكا بقية النهار، ويجب عليهما قضاء هذا اليوم. قال الله تعالى: {فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} البقرة:184، وإذا كانا صائمين فيجب عليهما الإمساك ولا يقضيان ذلك اليوم. والفرق بين الكافر والصبي والمجنون وبين الحائض والنفساء والمسافر والمريض أن الكافر والصبي والمجنون ليسوا مطالبين بقضاء ما وقع منهم في الكفر والصبا والجنون، وأما المسافر والمريض والحائض والنفساء فهم مطالبون أصلاً بالصيام شرعاً.


ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الحواشي السفلية والمراجع:
(1) رواه البخاري في الصحيح (1400) ومسلم (20).
(2) حديث صحيح رواه أحمد (6/100) والبخاري في صحيحه معلقاً (9/388 و 12/120 فتح) من حديث سيدنا علي عليه السلام، روي مرفوعاً من حديث سيدنا علي والسيدة عائشة وأبي هريرة، وأخرجه النسائي (6/156) وغيرهم انظر صحيح شرح الطحاوية ص (76).
(3) العهن: الصوف.
(4) رواه البخاري (1960).
(5) والمُدُّ حفنة من طعام وكانت تكفي في ذلك الزمان لإطعام إنسان يوماً كاملاً، واليوم نقدِّر كم يكلِّف طعام المسكين فيخرج قيمته من المال لأنه لن ينتفع بحفنة ذرة أو قمح أو شعير في مأكله.
(6) وهذا مثل قوله تعالى {يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا} النساء: 176، أي: أن لا تضلوا.
(7) في "المجموع شرح المهذب" (6/257).
(8) ندباً أي يسن ولا يجب، والمندوب عندنا هو السنة والمستحب.
(9) أي يجب لأن الحتم هو الواجب والفرض عندنا.
أضف رد جديد

العودة إلى ”المذهب الشافعي“