حديث ((تركت فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي أهل بيتي)) ولفظ ((وسُنَّتي))
من كتاب (صحيح صفة صلاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم)
سئلت عن حديث ((تركت فيكم شيئين لن تضلّوا بعدهما كتاب الله و...)) هل الحديث الصحيح بلفظ ((عترتي وأهل بيتي)) أو هو بلفظ ((سنتي)) نرجوا توضيح ذلك من جهة الحديث وسنده؟
الجواب: الحديث الثابت الصحيح هو بلفظ ((وأهل بيتي)) والرواية التي فيها لفظ ((سُنَّتي)) باطلة من ناحية السند والمتن، ونوضح هنا إن شاء الله تعالى قضية السند لأن السؤال وقع عنها، فنقول: روى الحديث مسلم في ((صحيحه)) (4/1873 برقم 2408 طبعة عبد الباقي) عن سيدنا زيد بن أرقم رضي الله عنه قال: ((قام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يوماً فينا خطيباً، بماءٍ يُدْعى خمّاً بين مكة والمدينة، فحمد الله تعالى وأَثنى عليه، ووعظ وذكَّر، ثم قال:
((أما بعد: الا أيها الناس: فإنّما أنا بشرٌ يوشك أن يأتي رسول ربي فأُجيب وأنا تاركٌ فيكم ثقلين: أوّلهما كتاب الله فيه الهدى والنور، فخذوا بكتاب الله واستمسكوا به)) فحثَّ على كتاب الله ورغَّب فيه ثم قال: ((وأهل بيتي، أُذكركم الله في أهل بيتي، أُذكّركم الله في أهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي)). هذا لفظ مسلم، ورواه ايضاً بهذا اللفظ الدارمي في ((سننه)) (2/431،432) بإسناد صحيح كالشمس وغيرهما.
وفي رواية الترمذي وقع بلفظ ((وعترتي أهل بيتي))، ففي ((سنن الترمذي)) (5/663 برقم 3788) قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ((إنّي تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلُّوا بعدي، أحدهما أعظم من الآخر: كتاب الله حبل ممدود من السماء إلى الأرض، وعترتي أهل بيتي، ولن يتفرقا حتى يردا عليَّ الحوض فانظروا كيف تخلفوني فيهما)) وهو صحيح.
وأما لفظ ((وسنَّتي)) فلا أَشك بأَنه موضوع لضعف سنده، ووهائه، ولعوامل أُموية أثرّت في ذلك.
وإليك إسناده ومتنه: روى الحاكم في ((المستدرك)) (1/93) الحديث بإسناده من طريق ابن أبي أُويس عن أبيه عن ثور بن زيد الديلي عن عكرمة عن ابن عباس وفيه: ((يا أيها الناس إني قد تركت فيكم ما إن اعتصمتم به فلن تَضِلُّوا أبداً كتاب الله وسُنَّة نبيه صلى الله عليه وآله وسلم...)).
وأقول: في سنده ابن أبي أويس وأبوه، قال الحافظ المزّي في ((تهذيب الكمال)) (3/127) في ترجمة الابن ـ ابن أبي أويس ـ وأنقُلُ قولَ مَنْ جرحه: ((قال معاوية بن صالح عن يحيى ـ بن معين ـ: أبو أُوَيْس وأبنه ضعيفان، وعن يحيى بن معين ـ أيضاً ـ: ابنُ أُويس وأبوه يسرقان الحديث، وعن يحيى ـ أيضاً ـ مُخَلِّطٌ يكذب ليس بشيء.
وقال أبو حاتم: محله الصدق، وكان مُغَفَّلاً، وقال النسائي: ضعيف، وقال ـ النسائي ـ في موضعٍ آخر: ليس بثقة، وقال أبو القاسم اللالكائي: بالغ النسائي في الكلام عليه، إلى أن يؤدّي إلى تركه.. وقال أبو أحمد بن عَدِيٍّ: وابن أبي أويس هذا روى عن خاله مالك أحاديث غرائب لا يتابعه أحد عليه..)).
قلت: قال الحافظ ابن حجر في ((مقدّمة فتح الباري)) ص(391 دار المعرفة) عن ابن أبي أويس هذا: ((وعلى هذا لا يُحْتَجُّ بشيءٍ من حديث غير ما في الصحيح من أجل ما قَدَحَ فيه النسائي وغيره...)).
قال الحافظ السيد أحمد بن الصدّيق رحمه الله تعالى في ((فتح الملك العلي)) ص (15): ((وقال سلمة بن شبيب: سمعت إسماعيل بن أبي أويس يقول: ربما كنتُ أضَعُ الحديثَ لأهل المدينة إذا اختلفوا في شيء فيما بينهم)).
وهذا ذكره أئمة الحديث والجرح والتعديل كالمزي في "تهذيب الكمال" (3/128)، والبرقاني في سؤالاته للدارقطني (برقم9)، والذهبي في "سير أعلام النبلاء" (10/394)، والحافظ ابن حجر في "تهذيب التهذيب" (1/272) وغيرهم.
فالرجل مُتَّهَمٌ بالوضع وقد رماه ابن معين بالكذب، وحديث الذي فيه لفظ ((وسنتي)) ليس في واحدٍ من الصحيحين.
وأما أبوه، فقال أبو حاتم الرازي كما في كتاب ابنه ((الجرح والتعديل)) (5/92): ((يُكتب حديثه ولا يحتج به، وليس بالقوي)).
ونقل في المصدر نفسه ابن أبي حاتم عن ابن معين أنه قال فيه: ((ليس بثقة)).
قلت: وسند فيه مثل هذان اللذان قدّمنا الكلام عليهما لا يصح حتى يلج الجمل في سَمِّ الخياط لا سيما وما جاءا به مخالف للثابت في الصحيح، فتأمّل جيداً هداك الله تعالى.
وقد اعترف الحاكم بضعف الحديث فلذلك لم يصححه في المستدرك وإنما جلب له شاهداً لكنه واهٍ ساقط الإسناد فازداد الحديث ضعفاً إلى ضعفه، وتحققنا أن ابن أبي أويس وأباه قد سرق واحد منهما حديث ذلك الواهي الذي سنذكره ورواه من عند نفسه، وقد نص ابن معين وهو من هو على أنهما كانا يسرقان الحديث، فروى الحاكم (1/93) ذلك حيث قال: ((وقد وجدتُ له شاهداً من حديث أبي هريرة)) ثم روى بسنده من طريق الضبي ثنا صالح بن موسى الطلحي عن عبد العزيز بن رفيع عن أبي صالح عن أبي هريرة مرفوعاً: ((إني قد تركت فيكم شيئين لن تضلّوا بعدهما: كتاب الله وسُنَّتي ولن يتفرّقا حتى يردا علَيَّ الحوض)).
قلت: هذا موضوع أيضاً، واقتصر الكلام هنا على رجل واحدٍ في السند وهو صالح بن موسى الطلحي، وإليك كلام أئمة أهل الحديث من كبار الحفاظ الذين طعنوا فيه من ((تهذيب الكمال)) (13/96): ((قال يحيى بن معين: ليس بشيء، وقال ابو حاتم الرازي: ضعيف الحديث، منكر الحديث جداً، كثير المناكير عن الثقات، وقال النسائي: لا يُكتب حديثه، وقال في موضع آخر متروك الحديث)).
وفي ((تهذيب التهذيب)) (4/355) للحافظ ابن حجر: ((قال ابن حبان: كان يروي عن الثقات ما لا يشبه حديث الأثبات حتى يشهد المستمع لها أنها معمولة أومقلوبة لا يجوز الاحتجاج به، وقال أبو نُعَيم: متروك الحديث يروي المناكير)).
قلت: وقد حكم عليه الحافظ في ((التقريب)) بأنه ((متروك)) (ترجمة2891) والذهبي في ((الكاشف)) (2412) بأنه: ((واهٍ)).
وأورد الذهبي في ((الميزان)) (2/302) حديثه هذا في ترجمته على أنه من منكراته.
وقد ذكر مالك هذا الحديث في ((الموطأ)) (899 برقم 3) بلاغاً بلا سند ولا قيمة لذلك بعد أن بيّنا وهاء إسناده.
وقد ذكر الحافظ ابن عبد البر في ((التمهيد)) (24/331) سنداً ثالثاً لهذا الحديث الواهي الموضوع فقال: ((وحدثنا عبد الرحمن بن يحيى، قال حدثنا أحمد بن سعيد، قال حدثنا محمد بن إبراهيم الديبلي، قال حدثنا علي بن زيد الفرائضي قال: حدثنا الحنيني، عن كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف، عن أبيه عن جدّه)) به.
قلت: نقتصر على علة واحدة فيه وهي أن كثير بن عبد الله هذا الذي في إسناده قال عنه الإمام الشافعي رحمه الله تعالى: ((أحد أركان الكذب، وقال عنه أبو داود: كان أحد الكذابين)) (قول الإمام الشافعي وأبي داود في ((تهذيب التهذيب)) (8/377 دار الفكر) و ((تهذيب الكمال)) (24/138) )، وقال ابن حبان: روى عن أبيه عن جدّه نسخة موضوعة لا يحل ذكرها في الكتب ولا الرواية عنه إلا على جهة التعجب(انظر المجروحين (2/221) للحافظ ابن حبان.).
قال النسائي والدارقطني: متروك الحديث.
وقال أحمد: منكر الحديث ليس بشيء، وقال يحيى بن معين: ليس بشيء.
قلت: وقد أخطا الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى في التقريب عندما اقتصر على قوله فيه ضعيف ثم قال: ((وقد أفرط من رماه بالكذب))، قلت: كلا لم يفرط بل هو واقع حاله كما ترى من كلام الأئمة فيه، لا سيما وقد قال عنه الذهبي في الكاشف: ((واهٍ)) وهو كذلك، وحديث موضوع، فلا يصلح للمتابعة ولا للشواهد بل يُضربُ عليه، والله الموفق.
وقول المتناقض!! في ((ضعيفته)) (4/361): بأنَّ حديث الصحيح الثابت بلفظ ((عترتي أهل بيتي)) يشهد لحديث ((سنتي)) ممّا تضحك منه الثكلى!! والله الهادي.
[تنبيه]: قوله صلى الله عليه وآله وسلم ((عترتي أهل بيتي)) هم أهل الكساء وذريتهم من الأئمة ويتبعهم أزواجه صلى الله عليه وآله وسلم، وأخص من قصد وأراد بذلك سيدنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم هم السيدة فاطمة وسيدنا علي وسيدنا الحسن وسيدنا الحسين عليهم السلام والرضوان، والدليل على ذلك الحديث الصحيح الثابت الذي نص النبي صلى الله عليه وآله وسلم فيه عليهم وهو: ما ثبت عن السيدة عائشة في ((صحيح مسلم)) (4/1883 برقم2424) وعن عمر بن أبي سلمة ربيب النبي صلى الله عليه وآله وسلم في ((الترمذي)) (5/663) واللفظ له وغيرهم بالأسانيد الصحيحة قال: ((نزلت هذه الآية على النبي صلى الله عليه وآله وسلم {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا} في بيت أمِّ سلمة، فدعا النبي صلى الله عليه وآله وسلم فاطمة وحسناً وحُسَيناً فجلَّلَهُم بكساءٍ وعليٌّ خلف ظهره فجلَّله بكساء ثم قال: اللهم هؤلاء أهل بيتي فأَذهب عنهم الرجس وطهِّرهم تطهيراً، قالت أمُّ سلمة: وأنا معهم يا نبي الله؟ قال: أَنتِ على مكانِكِ وأنت إلى خير)).
فمن حصر آل بيته صلى الله عليه وآله وسلم بزوجاته فقط فقد أخطأ جداً لأنه خالف الإجماع والسُّنة الصحيحة الثابتة.
فتبيَّن بوضوح أنَّ حديث ((كتاب الله وعترتي)) هو الصحيح الثابت في صحيح مسلم، وأن لفظ ((كتاب الله وسنتي)) باطل من جهة السند غير صحيح، فعلى خطباء المساجد والوّعاظ والأئمة أن يتركوا اللفظ الذي لم يرد عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأن يذكروا للناس اللفظ الصحيح الثابت عنه عليه الصلاة والسلام في صحيح مسلم ((كتاب الله وأهل بيتي)) أو ((وعترتي)) وعلى طلاب العلم أن يُقبلوا على تعلّم علم الحديث وأن يتوجّهوا لمعرفة صحيح السنة من الضعيف، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل، والحمد لله رب العالمين.
حديث ((تركت فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي أهل بيتي)) ولفظ ((وسُنَّتي))
-
الباحث المفكر
- مشاركات: 133
- اشترك في: الأربعاء سبتمبر 03, 2025 8:02 pm
