الصلاة على الحبيب صلى الله عليه وآله وسلم وكذا على آله ركن في التشهد الأخير من الصلاة
من كتاب (صحيح صفة صلاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم)
قال الله تعالى: {إنَّ الله وملائكتَه يُصَلُّونَ على النَّبي يا أيها الذين آمنوا صَلُّوا عليه وسلّموا تَسْليماً} الأحزاب: 56.
وعن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: لقيني كعب بن عُجْرَة فقال: ألا أُهدي لك هدية سمعتها من النبي صلى الله عليه وآله وسلم؟ فقلت: بلى فأهدها إلي، فقال: سألنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقلنا: يا رسول الله كيف الصلاة عليكم أهل البيت، فإنَّ الله قد علّمنا كيف نُسلِّم، قال: ((قولوا: اللهمَّ صلِّ على محمد وعلى آل محمد كما صَلَّيتَ على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد، اللهُمَّ بارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد))(1).
وفي رواية أخرى صحيحة عن سيدنا أبي مسعود البدري جاء فيها: ((يا رسول الله أما السلام فقد عرفناه، فكيف نصلِّي عليك إذا نحن صلّينا في صلاتنا صلى الله عليك؟...))(2).
ولا تتعين صيغة من صيغ الصلاة الواردة لأنها مختلفةٌ عن نفس الصحابي اختلافاً بيِّناً مما يفيد عدم تعينه بلفظ معين خلافاً للتشهد، ولأنه ورد في التشهد ما يدل على تعيّن صيغة من الصيغ الواردة لقوله: ((كما يُعَلِّمُنَا السورة من القرآن)) ولم يَرِد هذا في الصلاة على النبي صلى الله عليه وآله وسلم مع وجوبها..
وعن سيدنا فضالة بن عبيد رضي الله عنه قال: سمع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم رجلاً يدعو في صلاته، لم يحمد الله، ولم يُصلِّ على النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال صلى الله عليه وآله وسلم: ((عجَّل هذا))(3) ثم دعاه فقال له: ((إذا صلى أحدكم فليبدأ بتحميد الله والثناء عليه، ثم ليصلِّ على النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ثم ليدعُ بعد بما شاء))(4).
وقال الحافظ ابن حجر في ((الفتح)) (11/164): [وأخرج المعمري في ((عمل اليوم والليلة)) عن ابن عمر بسند جيد: قال: ((لا تكون صلاة إلا بقراءة وتشهد وصلاة عليَّ)). وأخرج البيهقي في ((الخلافيات)) بسند قوي عن الشعبي وهومن كبار التابعين قال: ((مَن لم يُصلِّ على النبي F في التشهد فليُعِد صلاته)). وأخرج الطبري بسند صحيح عن مُطَرِّف بن عبد الله بن الشِّخِّير وهو من كبار التابعين قال: ((كُنَّا نُعَلَّمُ التشهد فإذا قال: وأشهد أنَّ محمد عبده ورسوله يحمد ربه ويثني عليه ثم يُصَلّي على النبي F ثم يسأل حاجته))] انتهى من الفتح.
وقال الحافظ في ((الفتح)) (2/321): [ورد عن أبي جعفر الباقر والشعبي وغيرهما ما يدل على القول بالوجوب ـ أي وجوب الصلاة على النبي صلى الله عليه وآله وسلم في التشهد قال: وأعجب من ذلك أنه صح عن ابن مسعود راوي حديث الباب ما يقتضيه ـ أي الوجوب ـ، فعند سعيد بن منصور وأبي بكر بن أبي شيبة ـ قلت: والبيهقي أيضاً (2/153) بإسناد صحيح إلى أبي الأحوص قال: قال عبد الله ـ ابن مسعود ـ: ((يتشهد الرجل في الصلاة ثم يصلّي على النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ثم يدعو لنفسه بعد، وقال إسحق بن راهويه بالوجوب..].
انتهى ما أردت نقله وما بين الشرطتين من توضيحاتي.
وعن سيدنا ابن مسعود رضي الله عنه قال:((إذا صلَّيتُم على رَسُولِ الله صلى الله عليه وآله وسلم فأحسِنُوا الصَّلاة عليه، فإنَّكم لا تدرُونَ لعلَّ ذلك يُعرَضُ عليه(5)، قال فَقَالُوا لهُ: فعلِّمنا قال، قُولُوا: اللَّهُمَّ اجعل صلاتك ورحمتك وبركاتك على سيِّد المُرسلين وإمام المُتَّقين وخاتم النَّبيِّين محمَّد عبدك ورسولك، إمام الخير، وقائد الخير، ورسول الرحمة، اللهم ابعثه مقاماً محموداً يغبطه به الأوَّلون والآخِرون، اللَّهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنَّك حميد مجيد، اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنَّك حميدٌ مجيدٌ))(6).
فلما تقدم من النصوص والأدلة يكون الصحيح المختار أن يصلي على النبي صلى الله عليه وآله وسلم في صلاته بهذه الصيغة:
((اللهم صلِّ على سيِّدنا(7) محمد وعلى آل سيِّدنا محمد، كما صليت على سيِّدنا إبراهيم وعلى آل سيِّدنا إبراهيم، وبارك على سيِّدنا محمد وعلى آل سيِّدنا محمد كما باركت على سيِّدنا إبراهيم وعلى آل سيِّدنا إبراهيم في العالمين إنّك حميد مجيد)).
قال الإمام النووي -رحمه الله تعالى- في كتابه ((المقاصد)) بأنها أفضل صيغ الصلاة، وتسمى الصلاة الكاملة، والصلاة الإبراهيمية(8).
[مسألة]:
وتجب الصلاة على آل النبي صلى الله عليه وآله وسلم في التشهد الأخير على الصحيح المختار، لأن أقصر صيغة وردت عن سيدنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ثبت فيها ذكر الصلاة على الآل، ولم ترد صيغة خالية منه في صيغ تعليم الصلاة الصحيحة التي لم يتلاعبوا بها، فقد تقدّم حديث سيدنا زيد بن خارجة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: ((صلُّوا عليَّ واجتهدوا في الدعاء، وقولوا اللهم صلِّ على محمد وآل محمد))(9).
وورد في ذلك آثار عن الصحابة رضي الله عنهم، فعن سيدنا أبي مسعود الأنصاري رضي الله عنه قال: ((لو صلَّيتُ صلاة لا أصلي فيها على آل محمد، ما رأيت أنَّ صلاتي تتم))(10).
ولله در الإمام الشافعي رحمه الله تعالى حيث قال:
يا آلَ بيت رَسول الله حُبُّكُمُ ..... فرضٌ من الله في القُرآنِ أَنزَلَهُ
يكفيكُمُ مِنْ عظيم القَدْرِ أنَّكُمُ ..... من لا يُصَلِّي عَلَيْكُم لا صَلاةَ لهُ
[مسألة]:
السُنَّة أن يسرَّ في التشهد والصلاة على النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فعن سيدنا عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: ((من السُنَّة أن تخفي التشهد))(11).
قال الإمام الترمذي رحمه الله تعالى: ((والعمل عليه عند أهل العلم)).
وقال الإمام النووي في ((الأذكار)) ص (123): ((السنة في التشهد الإسرار لإجماع المسلمين على ذلك... فلو جهر به كُره ولم تبطل صلاته ولا يسجد للسهو)).
وعن السيدة عائشة رضي الله عنها قالت:
((نزلت هذه الآية في التشهد {ولا تَجْهَرْ بصلاتك ولا تُخافِتْ بها}))(12).
قلت: وفي هذا الحديث أيضاً مع الآية دلالة واضحة على أن المُصَلي يجب أن يُسمع نفسه القراءة في الصلاة.
[فائدة]:
قال الإمام النووي رحمه الله تعالى(13): ((فإن قيل فقد جاءت الصلاة عليه صلى الله عليه وآله وسلم غير مقرونة بالتسليم وذلك في آخر التشهد في الصلوات ـ أي في الصلاة الإبراهيمية ـ؟! فالجواب: أن السلام تقدم قبل الصلاة في كلمات التشهد وهو قوله: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، ولهذا قالت الصحابة رضي الله عنهم: يا رسول الله قد عَلِمْنَا السلام عليك فكيف نُصَلِّي عليك...)) الحديث.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الحواشي السفلية والمراجع:
(1) هذا لفظ البخاري في ((صحيحه)) في كتاب الأنبياء (6/408 فتح) وله لفظ آخر في الصلاة على النبي صلى الله عليه وآله وسلم في كتاب الدعوات (11/152) ورواه مسلم بلفظ الموضع الثاني في ((صحيحه)) (1/305) وغيرهما، ورواه البيهقي في ((معرفة السنن والآثار)) (3/68) بدون ذكر ((إنك حميد مجيد)) الأولى، وهو صحيح.
(2) رواه ابن خزيمة في ((صحيحه)) (1/352) بإسناد حسن، وأحمد في ((المسند)) (4/119)، وابن حبان في ((الصحيح)) (5/289) والدارقطني (1/355) وقال: ((إسناده حسن متصل)) والحاكم (1/268) وصححه على شرط مسلم واقرّه الذهبي، والبيهقي (2/148).
وعن سيدنا ابن مسعود رضي الله عنه قال: ((يتشهد الرجل ثم يصلي على النبي صلى الله عليه وآله وسلم ثم يدعو لنفسه))، رواه الحاكم في ((المستدرك)) (1268) بإسناد صحيح.
وقد احتج بعض الناس بأن تشهد ابن مسعود الذي علّمه إياه النبي صلى الله عليه وآله وسلم ليس فيه الصلاة على النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وهذا احتجاج باطل مردود بأشياء كثيرة منها حديث سيدنا ابن مسعود هذا الذي رواه الحاكم.
(3) قلت: وليس لأحدٍ أن يستنبط من هذا الحديث عدم وجوب الصلاة على النبي صلى الله عليه وآله وسلم لأنَّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يأمره بإعادة الصلاة، ولو كانت واجبة لأمره، والجواب على هذا: أنَّ هذا الرجل لكونه قريب عهد بالإسلام لم يأمره،كما لم يأمر أبا بكرة عندما ركع قبل أن يصل إلى الصف، ومعاوية بن الحكم السلمي عندما قال في الصلاة: ((واثكل أُمياه ما بالكم تنظرون إليَّ)) بالإعادة، ولأنَّه أمره بعد ذلك بالحمد والثناء والصلاة على النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ولأدلة أخرى ليس هذا محل بسطها، والله الموفق.
(4) رواه أحمد (6/18) وأبو داود (1481) والترمذي (3477) وقال: ((حسن صحيح))، وابن خزيمة في ((صحيحه)) (1/351) وابن حبان في ((الصحيح)) (5/290) وهو صحيح.
(5) قال الحافظ في الفتح (11/167): [عند البيهقي عن أبي أمامة.. _ مرفوعاً _: ((صلاة أُمتي تُعْرَضُ عليَّ في كل يوم جمعة، فَمَنْ كان أكثرهم عليَّ صلاة كان أقربهم منّي مَنْزِلَةً)) ولا بأس بسنده].
(6) رواه عبد الرزاق في ((المصنف)) (2/213) وإسماعيل القاضي في ((فضل الصلاة على النبي صلى الله عليه وآله وسلم)) ص(57) برقم (61)، وابن ماجه في ((السنن)) (1/906) وهوصحيح، وقد أخطأ جداً من ضعّفه بالجريري عند ابن ماجه!! لأنَّ رِاويَةَ مَنْ روى عنه هذا الحديث مستثناة من الضعف، وتجد تفصيل ذلك في الجزء الثالث من ((التناقضات الواضحات)) ص (158-163) وكذلك ص (170).
(7) ويلتزم بفتح سين سيِّدنا وتشديد الياء وإلا فهو مُخطئ خاطئ.
(8) ولم يذكر فيها السيادة، ولا يضيرنا ذلك بعد الأدلة التي ذكرناها في التعليق (442)، لا سيما وحديث ((لا تسيِّدوني في الصلاة)) حديث موضوع كما قدّمنا، قال الحافظ السخاوي في "المقاصد الحسنة" ص(463): ((لا أصل له)) وكذا القاري في ((المصنوع في معرفة الحديث الموضوع)) ص(206) والعجلوني في ((كشف الخفاء)) (2/494).
(9) رواه النسائي في ((عمل اليوم والليلة)) ص(162) برقم (53) وهو صحيح.
(10) رواه الدارقطني (1/356) وفيه جابر بن يزيد وهو حسن بالشواهد.
(11) رواه أبو داود (1/259) والترمذي (2/85) وابن المنذر في ((الأوسط)) (3/207) وابن خزيمة في ((صحيحه)) (1/350) والحاكم في ((المستدرك)) (1/230) وغيرهم وهو صحيح، لأنَّ الإجماع منعقد عليه.
(12) رواه ابن خزيمة ي ((صحيحه)) (1/350) وغيره وهو صحيح، وذكر الحافظ في ((الفتح)) (8/405) أنه رواه بهذا اللفظ، الطبري وابن خزيمة والعمري والحاكم.
(13) في ((شرح صحيح مسلم)) (1/44).
الصلاة على الحبيب صلى الله عليه وآله وسلم وكذا على آله ركن في التشهد الأخير من الصلاة
-
الباحث المفكر
- مشاركات: 133
- اشترك في: الأربعاء سبتمبر 03, 2025 8:02 pm
