يجب على المصلّي أن يُسمعَ نَفْسَه القراءة في السرية ولا تصح صلاته إذا لم يُحَرِّك شفته ولسانه ((وهو الهمس))

المذهب الشافعي
أضف رد جديد
الباحث المفكر
مشاركات: 133
اشترك في: الأربعاء سبتمبر 03, 2025 8:02 pm

يجب على المصلّي أن يُسمعَ نَفْسَه القراءة في السرية ولا تصح صلاته إذا لم يُحَرِّك شفته ولسانه ((وهو الهمس))

مشاركة بواسطة الباحث المفكر »

يجب على المصلّي أن يُسمعَ نَفْسَه القراءة في السرية ولا تصح صلاته إذا لم يُحَرِّك شفته ولسانه
((وهو الهمس))


من كتاب (صحيح صفة صلاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم)

قال التابعي عبد الله بن سخبرة: سألت خباباً أكان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقرأ في الأولى ـ الظهر والعصرـ؟ قال: نعم، قال: بأيِّ شيء كنتم تعرفون ذلك؟! قال: ((باضطراب لحيته))(1).
قال الحافظ البيهقي في "السنن الكبرى" (2/54): ((وفيه دليل على أنّه لا بُدَّ من أن يحرك لسانه بالقراءة)).
قلت: لأنَّه من تحركت لحيته دلَّ على أن حنكه أو فكه يتحرك ودلَّ على أنه يحرّك لسانه بالقراءة، فالصحابة رضي الله عنهم كانوا يلاحظون قراءة النبي صلى الله عليه وآله وسلم في الصلاوات السرية ـ بالظهر والعصر ـ بأنّه كان يحرك لسانه وبالتالي يُسمع نفسه القراءة.
وقد ذهب الأئمة الأربعة إلى وجوب تحريك اللسان بالقراءة وعدم كفاية إمرار الكلام على القلب أي في النفس دون التلفظ اقتداء بالسنة الصحيحة في استنباطاتهم على عادتهم في ذلك رضي الله عنهم.
وعن سيدنا أبي قتادة رضي الله عنه قال:
((كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقرأ في الركعتين الأوليين من صلاة الظهر بفاتحة الكتاب وسورتين يطِّول في الأولى ويُقصِّر في الثانية، ويُسْمِعُ الآية أحياناً، وكان يقرأ في العصر بفاتحة الكتاب وسورتين...))(2).
قلت: لولا أنه صلى الله عليه وآله وسلم كان يُسْمعُ نفسه في القراءة السرية لما عرفوا ماذا كان يقرأ في العصر ففي ذلك دليلٌ واضحٌ أيضاً على ما قلنا.
وفي قوله صلى الله عليه وآله وسلم في حديث المسيء صلاته:
((ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن)) دليل واضح على وجوب إسماع نفسه بالقراءة، فقد قال الإمام الغزالي رحمه الله تعالى في ((الاحياء)) (1/278):
((القراءة عبارة عن تقطيع الصوت بالحروف، ولابد من صوت، فأقله أن يُسْمع نفسه، فإن لم يُسْمع نفسه لم تصح صلاته)). اهـ
وقال الراغب في ((المفردات)) ص (402) في مادة ((قرأ)):
[القراءة ضم الحروف والكلمات بعضها إلى بعض في الترتيب](3).
ولذلك قال الإِمام الشافعي في الأم (1/88):
[يُسْمِعُ نَفْسَهُ وَمَنْ يليه لا يَتَجَاوزه] بالمعنى كما هي في المجموع (3/295).
وقال الإمام الحافظ النووي في ((المجموع)) (3/295):
[وأدنى الإسرار أن يُسْمِع نفسه إذا كان صحيح السمع ولا عارض عنده من لفطٍ وغيره، وهذا عام في القراءة والتكبير والتسبيح في الركوع وغيره والتشهد والسلام والدعاء سواء واجبها ونفلها لا يحسب شيء منها حتى يُسْمعُ نَفْسَهُ إذا كان صحيح السمع ولا عارض فإن لم يكن كذلك رفع بحيث يُسمع نفسه لو كان كذلك لا يجزيه غير ذلك، هكذا نص عليه الشافعي واتفق عليه الأصحاب] اهـ.
أقول: وينبغي هنا مراعاة عدم التشويش مع وجوب إسماع نفسه، فإن تعارضا قُدِّم الإِسماع، وليُعْلم أنه إذا اشتغل المصلي بتدبّر ما يقرؤه جيداً فإنه لا يتأثر بالتشويش وأما ما يتناقله بعض الناس وينسبونه للنبي صلى الله عليه وآله وسلم ((لا يشوّش قارئكم على مُصَلِّيكُم)) فحديث موضوع.
وقد ورد حديث ((لا يجهر بعضكم على بعض بالقراءة في الصلاة)) رواه أحمد (2/36) وهو حديث حسن بالشاهد وفيه عدم جواز الجهر بالقراءة لا الإسرار الذي يُسْمع الإنسان به نفسه.
[تنبيه]: وما يقوله بعض الناس وخاصة بعض حملة شهادات اللغة العربية أنََّ هناك قراءة صامتة وهي حديث النفس دون أن يُحَرِّك الإنسان شفتيه فخطأ من ناحية العربية، وإنما يُسَمَّى ذلك مُطالعة، لأنَّ القراءة عند العرب لا بُدَّ أن تكون صوتاً مُقَطَّعاً بحروف الهجاء، وإلا فلا تُسمّى قراءة، فيقال: طالعتُ الكتابَ ولا يُقال قرأتُهُ قراءةً صامتةً، فافهم ذلك جيداً.


ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الحواشي السفلية والمراجع:
(1) رواه البخاري (2/244 فتح) والبيهقي (2/54) وغيرهم.
(2) رواه البخاري (2/243 فتح) ومسلم (1/333).
(3) قال الحافظ ابن حجر في ((الفتح)) (2/245):
[قوله (بإطراب لحيته) فيه الحكم بالدليل لأنهم حكموا باضطراب لحيته على قراءته، لكن لا بُدَّ من قرينة تعين القراءة دون الذكر والدعاء مثلاً لأن اضطراب اللحية يحصل بكل منهما، وكأنهم نظروه بالصلاة الجهرية لأنَّ ذلك المحل منها هو محل القراءة لا الذكر والدعاء، وإذا انضم إلى ذلك قول أبي قتادة ((كان يسمعنا الآية أحياناً)) قوي الاستدلال والله أعلم] اهـ.
قلت: وإذا أضيف إلى ذلك قوله صلى الله عليه وآله وسلم: ((صلوا كما رأيتموني أصلي)) الذي في البخاري تمّ بل كَمُلَ الاستدلال والله الموفق.
أضف رد جديد

العودة إلى ”المذهب الشافعي“