صفحة 1 من 1

حديث (لم يخلق الله بيده إلا ثلاثة أشياء)

مرسل: الأربعاء يونيو 24, 2026 10:13 am
بواسطة الباحث المفكر
.
بيان أن حديث (لم يخلق الله بيده إلا ثلاثة أشياء) موضوع وهو أصلاً من كلام كعب الأحبار مما نقله من الأوابد من التلموذ:

قال الذهبي في "العلو":
[154- حديث عبدالواحد بن زياد، حدثنا عبيد المُكْتِب، حدثنا مجاهد قال: قال عبدالله بن عمر: ((خلق الله أربعة أشياء بيده: العرش، والقلم، وآدم، وجنة عـدن، ثمَّ قال لسائر الخلق كن فكان)). إسناده جيد].

أقول: لم ينفعه جودة الإسناد لما سيأتي!! وهذا الإسناد الذي وصفه بالجيد رواه ابن عمر عن كعب الأحبار، فهو من الإسرائيليات!

فهذا موقوف منكر وهو منقول عن كعب الأحبار ومعارض للقرآن كما سيأتي، وسيأتي برقم 297. وقد رواه الحاكم في "المستدرك" (2/319) والبيهقي في "الأسمـاء والصفـات" ص (319) وقال: هذا موقوف.

(والموقوف ليس بحجة) وقد رواه أيضاً أبو الشيخ في "العظمة" (برقم 215) و (برقم 1029) وكذا عثمان بن سعيد الدارمي في "الرد على بشـر المريسي" ص (35) عن كعب الأحبار فقال هناك:
[حدثنا محمد بن المنهال، حدثنا يزيد بن زريع، حدثنا سعيد ابن أبي عروبة، عن قتادة، عن أنس، عن كعب، قال: لم يخلق الله بيده إلا ثلاث: خلق آدم بيده، وكتب التوراة بيده، وغرس جنة عـدن بيده، ثمَّ قال لها تكلمي. قالت: قد أفلح المؤمنون].

فانكشف من أين أتى هذا الكلام وما هو أصله! ورواه البيهقي في ((الأسماء والصفات)) ص (318): عن عبدالله بن الحارث الهاشمي، وهو ممن يروي عن كعب الأحبار كما تجد ذلك في ترجمته في ((تهذيب الكمال)) (14/397).

وقال السيد المحدث الزبيدي في ((اتحاف السادة المتقين)) (10/550) ـ وما بين الأقواس () كلام الإمام الغزالي ـ:
[(وقال كعب) الأحبار.. (خلق الله تعالى آدم بيده وكتب التوراة بيده وغرس الجنة بيده ثمَّ قال لها تكلمي فقالت: قد أفلح المؤمنون) رواه عبدالرزاق وابن جرير عن قتادة قال: قال كعب …، وقد رُوِيَ ذلك مرفوعاً من حديث أنس: خلق الله جنة عدن وغرس أشجارها بيده وقال لها تكلمي فقالت: قد أفلح المؤمنون. رواه ابن عَدِي والحاكم والبيهقي في "الأسماء والصفات"، وروى الطبراني في "السنة" وابن مردويه من حديث ابن عباس مثله، وروى الديلمي من حديث الحارث بن نوفل: خلق الله ثلاثة أشياء بيده: خلق آدم بيده وكتب التوراة بيده وغرس الفردوس بيده..] اهـ.

قلت: حديث ابن عباس رواه الطبراني في "الأوسط" كما في ((مجمع البحرين)) (8/147/4861) وإسناده واهٍ، ورواه الطبراني عقبه هناك بإسناد آخر وليس فيه ذكر اليد.

ورواه الطبراني هناك أيضاً برقم (4860) من حديث أبي سعيـد وإسناده واهٍ أيضاً، والبزار كمـا في ((كشف الأستار)) (4/189) موقوف وفي السند حماد بن سلمة لا يلتفت لخبره. وهذا كله مخالف ومعارض لقول الله تعالى: {أَوَلَمْ يَرَوا أنا خلقنا لهم مما عملت أيدينا أنعاماً فهم لها مالكون} وقوله تعالى: {والسماء بنيناها بأيد وإنا لموسعون}.

ولفظة (أيد) هنا هي جمع يد وهي الكف بدليل قوله تعالى: {أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَا} الأعراف:195، والله المستعان.

فبهذه الآيات تبين أن العالم كله مخلوق بيد الله تعالى أي بقدرته لا خصوص تلك الأشياء الثلاث أو الأربع، أما تخصيص سيدنا آدم بالذكر في قوله تعالى: {ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي} فهي لبيان الفضل والمزية، وقد أفاض الحافظ ابن الجوزي رحمه الله تعالى في بيان ذلك في ((دفع شبه التشبيه)) ص (114-117) فارجع إليه فإنه مهم.

وقال الذهبي أيضاً في "العلو":
[297- حديث يعلى بن عبيد، أنبأ إسماعيل بن أبي خالد، عن حكيم بن جابـر قال: أُخبرتُ أنَّ ربكم عزَّ وجل لم يمس بيده إلا ثلاثة أشياء: غرس الجنة بيده، وخلق آدم، وكتب التوراة بيده].
أقول:
هذا كلام باطل إسرائيلي تجسيمي منقول عن كعب الأحبار. كما تقدَّم برقم (154) ومختصر الكلام فيه من جميع طرقه ورواياته أنه ليس من كلام النبي صلى الله عليه وآله وسلم بل هو مما نقله كعب الأحبار عن ديانته السابقة، فهو من الإسرائيليات، فقد رويَ عن كعب الأحبار بإسناد صحيح وعنه رواه ابن عمر رضي الله عنه أيضاً. وهذا الذي ساقه الذهبي بهذا الإسناد رواه الآجُرِّي في "الشريعة" ص (288)، ورواه أيضاً هناك عن محمد بن كعب القرظي وهذا أيضاً كان أبوه من سبي بني قريظة! أي أنه يهودي الأصل! وقد رواه الآجُرِّي هناك بعد ذلك مباشرة عن كعب الأحبار.
وكذا رواه عن كعب الأحبار عبد الرزاق في "تفسيره" (2/412)، وابن جرير الطبري في "تفسيره" (19/694)، ورواه البيهقي في "الأسماء والصفات" (2/125) عن عبد الله بن الحارث مرفوعاَ(!!) وعبدالله بن الحارث الهاشمي ليس صحابياً! ولذلك قال البيهقي هناك: (هذا مرسل)، وابن الحارث هذا من جملة الرواة عن عن عبد الله بن عمرو بن العاص وعن كعب الأحبار! كما في ترجمته في "تهذيب الكمال" (14/397).

وهذا الأثر عن هؤلاء جميعاً مروي بألفاظ منها لفظ رواية ابن الحارث: (إن الله عز وجل خلق ثلاثة أشياء بيده: خلق آدم بيده، وكتب التوراة بيده، وغرس الفردوس بيده).

وروى الحاكم (2/319) والبيهقي في "الأسماء والصفات" (693) والدارمي في رده على بشر المريسي (1/261) واللالكائي (3/429) والآجُرِّي في "الشريعة" ص (288) من طريق: (..عبيد المُكْتِب، عن مجاهد، عن ابن عمر، رضي الله عنهما قال: خلق الله تبارك وتعالى أربعة أشياء بيده: العرش، وجنات عدن، وآدم، والقلم؛ واحتجب من الخلق بأربعة: بنار، وظلمة، ونور، وظلمة).

وظاهر إسناد هذا الموقوف الصحة، وهو مما رواه ابن عمر جزماً عن كعب الأحبار.

وقال الحافظ البيهقي: (هذا موقوف، والحجاب يرجع إلى الخلق لا إلى الخالق).

وفي رواية الدارمي واللالكائي المجسِّمين زيادة: (ثم قال لسائر الخلق كن فكان). بدل جملة (واحتجب ..)!

وعبيد بن مهران المُكْتِب رواه تارة عن مجاهد عن ابن عمر، وتارة عن إبراهيم النخعي من قوله كما رواه هناد في "الزهد" (1/66/45) قال:
(حدثنا ابن فضيل عن عبيد المُكْتِب عن ابراهيم قال: خلق الله تبارك وتعالى أربعة أشياء بيده وخلق القلم بيده وخلق جنة عدن بيده)!!

وهذا كله يفيد اضطراباً في السند والمتن وتخبطاً فظيعاً! وابن عمر أيضاً من الرواة عن كعب الأحبار كما يجد ذلك من يراجع ترجمة ابن عمر وكعب الأحبار في مثل "تهذيب الكمال" و"تهذيب التهذيب".
وقال الذهبي نفسه في "سير أعلام النبلاء" (3/489) عن كعب الأحبار:
( فجالس أصحاب محمد فكان يُحَدِّثهم عن الكتب الإسرائيلية).

وقد اعترف الألباني المتناقض في "مختصر العلو" ص (130) بأنَّ هذا مروي بإسناد صحيح في شريعة الآجُرِّي عن كعب الأحبار(!!)

ومنه يُعلم مصدر قول الصحابي ابن عمر وأولئك التابعين لهذا القول ومن أين أخذوه(!!)

وما يقوله بعضهم من: (إن ما يرويه الصحابي مما لا مجال للرأي فيه له حكم الرفع) باطل من القول! لأنه قد يكون من الإسرائيليات ومن أقوال كعب الأحبار عليه من الله ما يستحق.
وإذا كان كذلك فكان اللائق بالألباني الذي يصف الذهبي بالإهمال في التحقيق (كما في ضعيفته 3/316) أن يستحيي من الله ومن عباد الله فلا يورد هذا الهُرَاء الإسرائيلي في "مختصر العلو"(!!)
وإذا أردنا أن نعارض هذا الهُرَاء الإسرائيلي الذي سلَّم به الذهبي والألباني المتناقض!! بنصوص شريعتنا الإسلامية الغراء فنقول لهم:
إن جميع العالم بأسره خلقه الله تعالى بيـده حتى الدواب!! قال الله تعالى {أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَاماً فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ}،
وقال تعالى: {وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْيدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ}،(!!)

و لفظة (أَيْدٍ) معناها الحقيقي في اللغة: جمعُ يد وهي العضو المعروف بالكف والأصابع، قال تعالى {أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِهَا}(!!)
ومعنى بيده أو بيديه أو بأياديه في حق المولى جلَّ جلاله أي: بقدرته سبحانه وتعالى!!

ومعنى بقدرته أي بكونه قادراً على كل شيء، لا أن القدرة شيء غير الله قائم به فلا تغفلوا عن هذا!!
ويُعَبَّرُ عن الذات باليدين ومنه قوله تعالى: {تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ} أي ذاته، أي هو كله!
والله أعلم.


منقول من صفحة حسن بن علي السقاف على الفيسبوك