المفطرات التي على الصائم الإمتناع عنها
مرسل: الأربعاء فبراير 11, 2026 1:01 pm
.
المفطرات التي على الصائم الإمتناع عنها (بحث شامل لكل قضايا المفطرات للصائم)
من كتاب صحيح صفة صيام النبي صلى الله عليه وآله وسلم
امتناع الصائم عن المفطرات
(1) الامتناع عن الأكل والشرب وما في معناهما
الصيام هو امتناع المسلم عن أمور نص الشرع عليها وهي:
1- الأكل والشرب أو ما في معناهما(1). لقوله تعالى: {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمْ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنْ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنْ الْفَجْرِ} البقرة:187، فبيَّن الله تعالى أن الأكل والشرب جائز ليلاً وإنما يمتنع ذلك إذا طلع الفجر حتى يأتي الليل وأوله غروب الشمس في الأفق وهو تواريها في الحجاب، لقوله تعالى: {ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ} البقرة:187.
فكل طعام أو شراب وصل إلى الجوف أفطر، والجوف أوله من الحلق لحديث ((وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائماً))(2) فبيَّن النبي صلى الله عليه وآله وسلم له في هذا الحديث أن الماء إذا كان في الفم لا يفطر وأما إذا بالغ في الاستنشاق فوصل إلى الحلق أو ابتلع جزءاً منه فإنه يفطر ولذلك أوصاه أن لا يبالغ. وألحق الفقهاء والمحدثون(3) المضمضة بالاستنشاق.
فكل عين وصلت إلى الجوف يفطر الصائم بها ولو كانت حصاة لا يستفيد الجسم منها حيث تخرج من الإنسان كما دخلت.
والجوف في اللغة(4): ما انطبقت عليه الكتفان والعضدان والأضلاع والصقلان(5).
فيكون الجوف هو التجويف الواقع في الإنسان من آخر الفم ومبدأ الحلقوم وهو الحَلْقُ إلى الفرجين في أسفل البطن.
الإبر في الوريد وفي العضل: والأصل في الصيام الامتناع عن الأكل والشرب وهنا وردت عدة مسائل تتعلق بهذا الأمر وهي: الاكتحال في العين والتقطير في العين والأنف والأذن وأخذ المريض في العروق الغذاء (مادة الجلوكوز) والإبرة للتداوي، والنشوق وبعض الأدوية الأخرى.
والأصل في ذلك منع إدخال أي شيء إلى الجوف وقد نص بعض الفقهاء على أنه لو ابتلع حصاة أفطر(6)، فالإبرة سواء كانت للتغذية أو للدواء فإنها تصل بواسطة الدم إلى الجوف وإلى جميع أجزاء الجسم أثناء الدورة الدموية فـتصل إلى القلب أو إلى الكبد أو إلى الأمعاء وهي من الجوف فيفطر بها. والإبرة تحت الجلد مفطرة.
وقد نص الفقهاء على أنه من طعن نفسه أو غرز شيئاً في بطنه أفطر بخلاف من طعن نفسه أو غرز شيئاً في فخذه مثلاً لأن الفخذ ليست جوفاً.
وقد اجتمعت الأدلة على أن الفطر يقع على كل ما يدخل إلى الجوف. وضابطه أنه يفطر بكل عينٍ وصلت من الظاهر إلى الباطن عن قصد أي عالماً عامداً مختاراً مع ذِكْرِ الصوم(7).
روي عن عبد الله بن مسعود(8) وابن عباس قالا: (الفطر مما دخل وليس مما خرج)(9) وهو ثابت عنهما، وقد روي هذا مرفوعاً من طريق السيدة عائشة(10) وفي السند سلمى البكرية امرأة لا تعرف.
فمجموع ما ورد من مثل (وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائماً) مع (الفطر مما دخل وليس مما خرج) مع ما ورد في القرآن الكريم من تحريم الأكل والشرب على الصائم مع النظر إلى معنى الصيام وهو منع الصائم من الأكل والشرب يفيد كل هذا أن المقصود من الصيام منع إدخال المسلم شيئاً إلى جوفه. فقول من قال بأن الممنوع منه هو إيصال شيء إلى الجهاز الهضمي قول غير صحيح؛ لأنَّ تغذية الجسم بواسطة الجلوكوز أو نحوه من عِرق في الجسم هو وصوله إلى الجسم دون الجهاز الهضمي وهو خَرْقٌ لمعنى الصيام وإبطاله(11)، ولأن هذا في الحقيقة طعام وشراب جاهز.
ومن قال بأن الإبرة (الحقنة) العضلية لا تفطر يقول بأن إبرة التغذية تفطر مع أن كليهما من منفذ غير مفتوح أصلاً، والتمسك بقول بعض الفقهاء (من منفذ غير مفتوح) تمسك لا يصح، وذلك لأن قول بعض الفقهاء ليس كنص الكتاب والسنة المُنَزَّهَينِ عن الخطأ بل هو اجتهاد يصيب ويخطئ، على أن قول الفقهاء من منفذ مفتوح لا يقصدون به الإبر لأن الإبر لم تكن في زمنهم وإنما يَعْنُون ويقصدون به الاحترازات عن مسامات الجسم المتشربة مثلاً للماء وقت الاستحمام وكذا للدهون والعطور التي يضعها الإنسان على جسده(12).
ويدل على ذلك قول الفقيه ابن حجر الهيتمي المكي مثلاً في كتابه "فتح الجواد بشرح الإرشاد" (1/287) حيث يقول: [وإنما يفطر بدخول العين إلى ما مرَّ إن وصلت من منفذ مفتوح (لا من مسامٍّ) بتشديد الميم وهي ثقب البدن جمع سَم، بتثليث أوله والفتح أفصح، بأن ادَّهَنَ أو اكتحل فوصل لجوفه لأنه لما لم يصل من منفذ مفتوح كان كالانغماس في الماء وإن وجد أثره في بطنه...](13).
وقال العلامة الأردبيلي في كتابه "الأنوار لأعمال الأبرار" (1/232): ((الثالث: المنفذ المفتوح فلا يفطر بالاكتحال والانغماس في الماء وإن وجد البرد في الأحشاء ولا بتشرب الدهن بالمسام وإن وجد الطعم بالحلق)). ويجب أن يُعلَم ههنا أن الإبرة العضلية أيضاً تصبح بعد دقائق معدودة وريدية في الجسم وذلك لأن الشُعَيرات الدقيقة تبدأ بامتصاص المادة وتحولها إلى الشريان أو العِرْق الرئيسي في ذلك العضو أو الجزء من بدن الإنسان، فالحاصل أن الإبرة أصبحت منفذاً مفتوحاً أو كالمفتوح في الحكم لأنه يمكن بواسطتها إدخال كميات من الطعام الجاهز للجسم وغير ذلك.
فمختصر القضية أن الشرع منع في الصيام أن يدخل شيء إلى الجوف واستثنى من أكل أو شرب ناسياً ومن سبق الماء إلى جوفه حال المضمضة والاستنشاق ولم يكن قد بالغ فيهما وكذا استثنى ما يتشربه المسام كالاغتسال والادِّهان والاكتحال عند من يقول بصحة الحديث فيه.
وقد حاول بعض المعاصرين أن يبيحوا الإبرة للصائم مواكبة لهم لما حدث في هذا العصر ولئلا يقال عنهم بأنهم متخلِّفون مع أنه يمكن أن يتناول الإبرة إن احتاجها ليلاً، وإن كانت الحاجة ماسة فهو مريض يفطر ويقضي ذلك اليوم الذي أخذ فيه تلك الإبرة.
الكحل للصائم:
هناك أحاديث عامة في مطلق الاكتحال مثل حديث عكرمة عن ابن عباس: ((اكتحلوا بالإثمد فإنه يجلوا البصر وينبت الشعر))(14) وزعم أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كانت له مكحلة يكتحل بها كل ليلة ثلاثة في هذه وثلاثة في هذه. وهذا رواه الترمذي في سننه (1757) وحسنه فقال: حسن غريب(15).
وعن عبد الرحمن أبو النعمان الأنصاري حدثني أبي عن جدي قال: وكان جده أتى به النبي صلى الله عليه وآله وسلم فمسح على رأسه فقال: ((لا تكتحل بالنهار وأنت صائم، اكتحل ليلاً، الإثمد يجلو البصر وينبت الشعر))(16).
وهناك حديثان ضعيفان في جواز الكحل للصائم وهما:
الأول: حديث أنس بن مالك قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال: اشتكت عيني أفأكتحل وأنا صائم؟ قال: ((نعم)). رواه الترمذي (726) وقال عقبه:
((حديث أنس حديث ليس إسناده بالقوي ولا يصح عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم في هذا الباب شيء وأبو عاتكة يُضَعَّف، واختلف أهل العلم في الكحل للصائم فكرهه بعضهم وهو قول سفيان وابن المبارك وأحمد وإسحاق، ورخَّص بعض أهل العلم في الكحل للصائم وهو قول الشافعي)).
ومعنى قول الترمذي عندي هو: أنه لم يصح في جواز الكحل للصائم حديث.
والحديث الثاني: عن عائشة قالت: اكتحل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو صائم(17). وهو حديث واهٍ أو موضوع.
حكم المسألة: الذي أراه أن الاكتحال لا يجوز للصائم، وننصح من يقول بجواز الاكتحال للصائم أن يتركه احتياطاً للعبادة كما تفيده الأحاديث المانعة للاكتحال والناصة على أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يكتحل ليلاً إذ لا ضرورة للكحل، وأما قطرة العين فإذا كان بوسعه أن يأخذها ليلاً فالمتجه أنه لا يجوز أن يأخذها نهاراً، وأما إذا اضطر إليها فيجوز ولا يفطر قياساً على قطرة ماء دخلت في عينه من الوضوء أو الغسل، فإن الصائم لم يمنع من ذلك، أي من إدخال الماء إلى عينه في الوضوء والغسل، ولم يؤمر بتغميض عينيه وإنما أُمِر أن لا يبالغ في الاستنشاق.
وأما قطرة الأذن وإدخال شيء فيها فجائز، لأن الشارع أجاز الغسل والاستحمام للصائم ولم يمنعه كما لم يُحَرِّم السباحة له مع أن الأفضل للصائم والأتقى أن لا يسبح لئلا يسبق إلى فمه أو منخره شيء من الماء، وكذا استعمال العود الذي تُنَظَّفُ الأذن به (المسمى بنكاشة الأذنين) فجائز لا سيما وأنه لا تدخل معه أي مادة ثم هو غير مستقر في الأذن وإنما هو يخرج منها.
والاحتياط أن لا يُقَطِّرَ في أذنه شيء لأن ماء الاستحمام إذا دخل أذنه فإنه يدخله بغير قصد بخلاف القطرة فإنها بقصد، والله تعالى أعلم.
قطرة الأنف: غير جائزة لورود النص بعدم المبالغة في الاستنشاق وهو قوله صلى الله عليه وآله وسلم ((وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائماً))(18)، أما إذا دهن مادة في أنفه كمادة (المنتولاتو) أو (الفيكس) فإنه لا يجوز كالسعوط لأنه يُدْخِلُ شيئاً إلى جوفه يشعر بطعمه في حلقه عندما ينزل ما في أنفه إلى حلقه.
وأما البخاخ الذي يأخذه صاحب الأزمة الصدرية والربو والتحسس الصدري: فالمتجه أنه جائز عند الضرورة إذ لا يمكنه الاستغناء عنه وصاحبه قادر على الصوم وعلى ترك الطعام والشراب والمادة التي فيه قريبة من مقدار تشرب المسام، فالواجب على من ابتلي بهذا المرض أن يبحث عن دواء يمكن أن يدوم مفعوله طيلة النهار ولا يحتاج أثناء الصيام للدواء الذي هو هذا (البخاخ) فإن احتاج إليه وكان هذا المرض الذي هو الأزمة دائماً لا ينقطع عنه جاز أن يستعمل البخاخ ويتم صومه ولا قضاء عليه فيما نرى، لأن المادة قليلة جداً تعادل ما يدخل إلى أنف الصائم من غبار الطريق أو ما يدخل فمه فيبقى فيه من ماء المضمضة. وأما التبخيرة لمن معه أزمة صدرية فلا تفطر لأنها كالبخاخ.
ومن ذلك البنج الذي يأخذه من أراد خلع ضرسه أو أسنانه أو عند تنظيفها وحشوها: فالصحيح عندنا أنه يفطر من أخذ إبرة بنج لخلع سِنِّهِ أو لتنظيفه وحشوه من الالتهاب لأن البنج إبرة عضلية لمادة مصيرها الدخول إلى الجوف، وقد تقدم أن الإبرة العضلية مفطرة عندنا قطعاً، أما مَن يريد تنظيف أسنانه عند الطبيب مع أخذ إبرة بنج فإنه لا يجوز له في نهار رمضان بل إما أن يجعل هذا الأمر قبل أو بعد رمضان أو ليلاً، وأما من توفر له طبيب أسنان ليلاً فإنه إن لم يتضرر من الألم أو نحوه فإنه لا يجوز له الفعل إلا ليلاً، ومن أخذ إبرة بنج نهاراً أثناء الصوم أفطر وعليه قضاء ذلك اليوم. أما أي شخص ينظف أسنانه سواء عند الطبيب أو في بيته ولم يأخذ إبرة بنج فإنه لا يُفطر بشرط أن لا يبتلع شيئاً ولا يدخل شيء إلى جوفه.
وأما من وضع له الطبيب دواء في نهار الصيام على سنه دون أن يصل شيء من الدواء إلى جوفه فإنه لا يفطر لأن الفم ليس بجوف كما هو معلوم.
والقاعدة في هذا أن المريض القادر على الصوم والذي لا يضر به الصوم أو الذي يحتاج إلى دواء يجب عليه أن يسأل الأطباء والصيادلة عن دواء طويل المفعول يغنيه عن تناول الدواء أثناء النهار إن كان قادراً على الصوم كالمريض بالأزمة الصدرية أو السكري أو ارتفاع الضغط أو نحو ذلك.
روى البخاري (فتح 4/173) في (باب الحجامة والقيء للصائم): [وكان ابن عمر رضي الله عنهما يحتجم وهو صائم ثم تركه فكان يحتجم بالليل، واحتجم أبو موسى ليلاً]. وعليه فينبغي للمسلمين اليوم أن يراعوا ذلك وأن يفتح الأطباء ومنهم أطباء الأسنان ليلاً للضرورة لمن ألمَّ به شيء والله الموفق والهادي.
(مسألة): في الحقنة في الشرج: قال الإمام النووي رحمه الله تعالى: ((وأما الحقنة فتفطر على المذهب وبه قطع المصنف والجمهور.... فعلى المذهب قال أصحابنا: سواء كانت الحقنة قليلة أو كثيرة وسواء وصلت إلى المعدة أم لا فهي مفطرة بكل حال عندنا))(19).
ثم قال النووي رحمه الله تعالى(20): ((الحقنة ذكرنا أنها مفطرة عندنا ـ أي الشافعية ـ ونقله ابن المنذر عن عطاء والثوري وأبي حنيفة وأحمد وإسحاق، وحكاه العبدري وسائر أصحابنا أيضاً عن مالك، ونقله المتولي عن عامة العلماء، وقال الحسن بن صالح وداود لا يفطر)).
قلت: وجاء عن سيدنا الإمام علي الرضا رضي الله عنه أنه قال: ((الصائم لا يجوز له أن يحتقن))(21).
(مسألة): وأما الفحص الداخلي للمرأة فإنه يفطر بولوج أي شيء في الفرج سواء كان على الآلة المدخلة في الفرج مادة أم لا، فإن أمكن الفحص ليلاً أو تأخيره إلى ما بعد رمضان أو أثناء الدورة الشهرية وجب وإلا جاز عند الاضطرار وتفطر وتقضي ذلك اليوم.
قال العلامة البابرتي الحنفي المتوفى سنة 786 هـ في "شرح العناية على الهداية"(22) ما نصه:
((وتكلَّموا في الإفطار في أقبال(23) النساء. فقيل: هو على هذا الاختلاف، وقيل يشبه الحقنة فيفسد الصوم بلا خلاف، وقيل: وهو الأصح)).
(مسألة): والعلك يفطر جزماً إن كان معه سُكَّر أو طعم أي مادة وأما العلك المسمى بالعربي فإن بعض الفقهاء يقول بكراهته والصحيح عندنا أنه محرَّم لا يجوز لاحتمال انفصال جزء منه ودخوله إلى الجوف لكنه إن خلا عن أي مادة منفصلة لم يفطر مع قولنا بكراهة أو حرمة العلك للصائم.
(مسألة): وشم العطر والتضمخ أي التمسح به لا يفطر، فقد أمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم الذاهب إلى الجمعة أن يمس من طيب بيته ولم يستثن الصائم. ففي البخاري أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: ((لا يغتسل رجل يوم الجمعة ويتطهر ما استطاع من طهر ويدَّهن من دهنه أو يمس من طيب بيته ثم يخرج ولا يفرِّق بين اثنين ثم يصلي ما كتب له ثم يُنصت إذا تكلَّم الإمام إلا غفر له ما بينه وبين الجمعة الأخرى)) رواه البخاري (883).
(مسألة): (تحمير الوجه بالأصباغ) وهو وضع المكياج على وجه المرأة الصائمة ليس من المفطرات ولكنه من المكروهات لأن الصائم ينبغي أن يترك الشهوة وما يثيرها وهذا من أصول مقاصد الصوم، ولو قيل بتحريم المكياج للصائمة لم يبعد هذا.
(مسألة): قال الإمام النووي رحمه الله تعالى: ((قال الشافعي والأصحاب رحمهم الله تعالى: إذا ابتلع الصائم ما لا يؤكل في العادة كدرهمٍ ودينارٍ أو تراب أو حصاةٍ أو حشيشاً أو ناراً أو حديداً أو خيطاً أو غير ذلك أفطر بلا خلاف عندنا وبه قال أبو حنيفة ومالك وأحمد وداود وجماهير العلماء من السلف والخلف)).
قلت: وقد جاء أن أبا طلحة الأنصاري كان يأكل البَرَدَ في الصوم ويقول: ليس بطعام ولا شراب. وقد روى هذا أحمد في مسنده (3/279) والبزار (1021و1022) عن أنس بن مالك قال: مُطِرْنا بَرَداً وأبو طلحة صائم فجعل يأكل منه، قيل له: أتأكل وأنت صائم فقال: إنما هذا بركة. وإسناده صحيح. ويروى أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أقرَّه(24) وردَّ ذلك الحفاظ بتضعيفهم إياه، وقال البزار عقب روايته لهذا الأثر: لا نعلم هذا الفعل إلا عن أبي طلحة.
قلت: فعل أبي طلحة ليس بحجة وهو خلاف ما عليه الصحابة وأهل العلم، والبَرَد ماء متجمد وهو يفطر قطعاً.
(مسألة): قال الإمام النووي(25) رحمه الله تعالى: لو ابتلع طرف خيط وطرفه الآخر بارزاً أفطر بوصول الطرف الواصل.
(مسألة): قال الإمام النووي رحمه الله تعالى: ((لو أدخل الرجل إصبعه أو غيرها دبره أو أدخلت المرأة أصبعها أو غيرها دبرها أو قُبُلها وبقي البعض خارجاً بطل الصوم باتفاق أصحابنا إلا الوجه الشاذ السابق عن الحناطي)).
قلت: الصواب عندي أنه لا يفطر لأن الاستنجاء مأمور به شرعاً ويحتاج الإنسان لإدخال جزء يسير من إصبعه والشرع لم ينبه الصائم عن الاحتراز عن ذلك فهو مسكوت عنه، لحديث: ((ما أحل الله في كتابه فهو حلال، وما حرَّم فهو حرام، وما سكت عنه فهو عفو فاقبلوا من الله عافيته....))(26) الحديث.
(مسألة): قال الإمام النووي(27) رحمه الله تعالى: [قال أصحابنا إذا بقي في خلل أسنانه طعام فينبغي أن يخلله في الليل وينقي فمه فإن أصبح صائماً وفي خلل أسنانه شيء فابتلعه عمداً أفطر بلا خلاف عندنا وبه قال مالك وأبو يوسف وأحمد.
وقال أبو حنيفة: لا يفطر، وقال زُفَر: يفطر وعليه الكفارة.
ودليلنا في فطره أنه ابتلع ما يمكنه الاحتراز عنه ولا تدعو حاجته إليه فبطل صومه... والدليل على زُفَر أن الكفارة إنما وجبت في الجماع لفحشه فلا يلحق به ما دونه، والله تعالى أعلم...... أما إذا جرى به الريق فبلعه بغير قصد فنقل المزني أنه لا يفطر ونقل الربيع أنه يفطر.... والصحيح الذي قاله الأكثرون أنهما على حالين فحيث قال لا يُفْطِر أراد إذا لم يقدر على تمييزه ومجِّه، وحيث قال يفطر أراد إذا قدر فلم يفعل وابتلعه..
وقال إمام الحرمين والغزالي: إن نقَّى أسنانه بالخلال على العادة لم يفطر كغبار الطريق وإلا أفطر لتقصيره كالمبالغة في المضمضة] انتهى من "شرح المهذب". وعليه فيجب على الصائم أن يزيل بقايا الطعام التي في فمه أو الظاهرة بين أسنانه وقد أصبح الأمر سهلاً اليوم باستعمال خيط الأسنان أو الفرشاة قبل أذان الفجر أو عند استيقاظه صباحاً.
(مسألة): ((لو ابتلع شيئاً يسيراً جداً كحبة سمسم أو خردل ونحوهما أفطر بلا خلاف عندنا وبه قال جمهور العلماء، وقال المتولي يفطر عندنا ولا يفطر عند أبي حنيفة(28) كما قال في الباقي في خلل الأسنان))(29).
(مسألة): ((ابتلاع الريق لا يفطر بالإجماع(30).. لأنه يعسر الاحتراز منه... وإنما لا يفطر بشروط: (أحدها): أن يتمحض الريق فلو اختلط بغيره... أفطر بابتلاعه... (الثاني): أن يبتلعه من معدنه فلو خرج عن فمه ثم ردَّه بلسانه أو غير لسانه وابتلعه أفطر. ولو أخرج لسانه وعليه ريق حتى برز لسانه إلى خارج فمه ثم رده وابتلعه... لا يفطر. فلو جمع ريقه قصداً ثم ابتلعه لا يفطر، ولو اجتمع ريق كثير بغير قصد بأن كثر كلامه أو غير ذلك بغير قصد فابتلعه لم يُفطر بلا خلاف)) انتهى باختصار من "المجموع"(31).
(مسألة): لو بلَّ الخياط خيطاً بالريق ثم ردَّه مبلولاً بريقه إلى فمه لا يفطر كما لا يفطر بالباقي من ماء المضمضة كما قاله أبو محمد الجويني(32) هذا هو الصحيح عندنا إلا إذا كان متلاعباً. وهذا شبيه بمسألة البخاخ للصائم التي ذكرناها قبل قليل.
(مسألة): قال الحافظ ابن حجر في "الفتح" (4/153): [روى أبو داود وحده من طريق مصدع بن يحيى عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يقبلها وهو صائم ويمص لسانها(33) وإسناده ضعيف، ولو صحَّ فهو محمول على من لم يبتلع ريقه الذي خالط ريقها]. وقال النووي نحو هذا في "شرح المهذب" (6/318).
(مسألة) وأما النخامة سواء خرجت من صدره أو من أنفه ومجاري التنفس فإنه إن ابتلعها الصائم لا يُفْطِرُ لأنه كالريق من نفس جسم الإنسان ولم يأت من الخارج، ولم ينبِّه النبي صلى الله عليه وآله وسلم على أنه يفطر بابتلاعها مع عموم الابتلاء بها. قال الإمام جعفر الصادق عليه السلام: لا بأس أن يزدرد الصائم نخامته(34). وحكى الإمام النووي عن صاحب العدة والبيان من الشافعية أن الصائم لا يفطر بابتلاع النخامة لأن جنسها معفو عنه(35).
(مسألة): إذا نزل من فمه دم فأصل حكمه كالنخامة بأنه شيء من البدن لكن هنا يحرم ابتلاع الدم لكونه نجساً ويحرم أكله وابتلاعه لقوله تعالى {إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ} البقرة:173(36) خلافاً للنخامة فإنها طاهرة، فعليه أن يبصق الدم ويغسلَ فمه منه.
(مسألة): وأما السواك فمستحب للصائم والظاهر أنه يعفى ما بقي فيه من الريق إن أخرجه من فمه ثم أعاده وأدخله، لكن لو انفصلت من السواك قطعة فابتلعها عمداً فإنه يفطر، والصحيح عندنا أنه يستحب طيلة النهار.
وفرشاة الأسنان بمعناه وحكمها حكم السواك حيث تستحب إن لم يكن عليها مادة بلا خلاف، أما إذا وضع معجون أسنان في فمه فهذا محل الخلاف والذي نقول به أنه يجوز ولا يفطر بوضع المعجون بشرط أن يحترز من دخول شيء منه إلى الحلق كالمبالغة في المضمضة.
ومن المناسب أن ينبَّه عليه هنا أن بعض الناس تصدر من فمهم رائحة كريهة جداً فهؤلاء يجب عليهم أن يباشروا أسباب إزالة الرائحة من أفواههم وأهم ذلك استعمال (خيط الأسنان الطبي) واستعمال فرشاة الأسنان مع المعجون، وإذا كان بالأسنان نخر أو ثقوب فينبغي أن يراجع طبيب الأسنان لتنظيفها وحشوها، فإن بقايا الطعام المجتمع في نخور الطواحين والأسنان يسبب هذه الروائح الكريهة، نسأله العافية.
وقد حث النبي صلى الله عليه وآله وسلم على السواك في أحاديث كثيرة فمن ذلك حديث سيدنا علي عليه السلام وأبي هريرة قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ((لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك مع كل صلاة))(37) وعن أنس بن مالك قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ((أكثرت عليكم في السواك))(38). ((وكان صلى الله عليه وآله وسلم إذا قام من الليل يَشُوصُ فاهُ))(39). وعن السيدة عائشة رضي الله عنها قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ((السواك مطهرة للفم مرضاة للرب))(40).
قد تبين من هذا الحديث الأخير أن تطهير الفم وتنظيفه وطيب رائحته مرضاة للرب سبحانه وتعالى، وفي ذلك حَثٌّ بالغٌ على سلوك سُبُل تنظيف الفم، واعلم أن استعمال الخيط الطبي في إخراج الفضلات من بين الأسنان هو من أعظم أسباب إزالة الرائحة الكريهة من الفم فليحافظ على استعماله المسلم ما استطاع، وَلْيَهْتَمَّ بنظافة فمه وطيب رائحته، لا سيما وقد جاء في حديثٍ: ((.. نَقُّوا براجمكم(41) وَنَظِّفوا لِثَاتِكُم من الطعام، واستاكوا، ولا تدخلوا عليَّ قُحْرَاً(42) بُخْرَاً))(43).
وأما حديث: ((والذي نفسي بيده لَخُلُوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك))(44). فقال الحافظ ابن حجر في شرحه في "الفتح" (4/105):
((اختلف في كون الخلوف أطيب عند الله من ريح المسك مع أنه سبحانه مُنَزَّهٌ عن استطابة الروائح إذ ذاك من صفات الحوادث(45) ومع أنه يعلم الشيء على ما هو عليه، على أوجهٍ: قال المازري: هو مجاز لأنه جرت العادة بتقريب الروائح الطيبة منا فاستعير ذلك للصوم لتقريبه من الله، فالمعنى أنه أطيب عند الله من ريح المسك عندكم، أي يقرب إليه أكثر من تقريب المسك إليكم، وإلى ذلك أشار ابن عبد البر، وقيل: المراد أن ذلك في حق الملائكة...)).
قلت: والإنسان إذا انقطع عن الطعام مدة طويلة فإنه تظهر لفمه رائحة فإذا كان محافظاً على السواك وعلى تنظيف فمه فإن تلك الرائحة تكون خفيفة وهي المرادة هنا، وأما أولئك الذين لهم رائحة فم قذرة جداً دون أن يصوموا والصيام يزيدها نتانة وبخراً فهؤلاء مخالفون لسنة الحبيب الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم ومعرضون عنها.
(مسألة): القيء لا يفطر به الصائم والاستقاءة يفطر بفعلها الصائم: جاء في حديث أبي هريرة قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ((مَنْ ذَرَعَهُ القيء فليس عليه قضاء، ومَنْ استقاء عَمْدَاً فَلْيَقْضِ)) رواه الترمذي (720) وقال: حسن غريب(46).
قال الترمذي: ((وقد رويَ عن أبي الدرداء وثوبان وفضالة بن عبيد، أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان صائماً متطوعاً فقاءَ فَضَعُفَ فأفطر لذلك، هكذا رُوِيَ في بعض الحديث مفسَّرَاً، والعمل عند أهل العلم على حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن الصائم إذا ذرعَهُ القيء فلا قضاء عليه، وإذا استقاء عمداً فليقضِ)).
قال الحلي(47) في "تذكرة الفقهاء" (6/29): ((أمَّا لو ذرعه القيء فإنه لا يفطر بإجماع العلماء)).
(مسألة): ذوق الطعام لا يفطر الصائم: ومما ورد في ذلك قول ابن عباس رضي الله عنهما: ((لا بأس أن يتطعَّم القِدْرَ أو الشيء))(48). ولأنه ليس في الذوق دخول الطعام إلى الجوف. وليحذر من ابتلاعه وليتمضمض بعد أن يذوقه.
(مسألة): عملية التنظير التي يتم إدخال شيء فيها للجوف مفطرة بمجرَّد وصول شيء للحلق لو فرضنا أنه يمكن ذلك بدون أن يتناول المعمول له عملية التنظير طعاماً أو شراباً ودون استقاءة. فيعتبر فاطراً وعليه قضاء ذلك اليوم.
(مسألة): إذا أمكن أن يكون هناك فحص طبي ليلي(49) أو في غير وقت الصيام وكان ذلك الفحص يؤدي للفطر سواء في الفرج أو في أي منفذ فإنه يحرم نهاراً أثناء الصيام إذا وجد البديل ليلاً أو كان بالإمكان الصبر لوقت الإفطار، لأنه لا يجوز إفساد العبادة لغير ضرورة لقوله تعالى {وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ} محمد:33.
(مسألة): سحب الدم أثناء الصيام لا يفطر لأنه لم يدخل للجوف شيء، وقد ثبت أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم احتجم وهو صائم(50).
(مسألة): من أكل أو شرب ناسياً لا يبطل صومه سواء أكل كثيراً أو قليلاً لما جاء في الحديث الذي رواه البخاري (6669) ومسلم (1673): ((من أكل ناسياً وهو صائم فليتم صومه فإنما أطعمه الله وسقاه)).
قال الحافظ ابن حجر في شرح الحديث في "الفتح" (4/155) ما نصه:
((قوله (باب الصائم إذا أكل أو شرب ناسياً) أي هل يجب عليه القضاء أو لا؟ وهي مسألةُ خلافٍ مشهورةٍ، فذهب الجمهور إلى عدم الوجوب، وعن مالك يبطل صومه ويجب عليه القضاء، قال عياض: هذا هو المشهور عنه وهو قول شيخه ربيعة وجميع أصحاب مالك، لكن فرَّقوا بين الفرض والنفل، وقال الداودي: لعل مالكاً لم يبلغه الحديث أو أوَّلَهُ على رفع الإثم)).
ثم قال الحافظ بعد ذلك بنحو صحيفة:
((قال ابن العربي: تمسك جميع فقهاء الأمصار بظاهر هذا الحديث، وتطلع مالك إلى مسألة من طريقها فأشرف عليه، لأن الفطر ضد الصوم والإمساك ركن الصوم فأشبه ما لو نسي ركعة من الصلاة، قال: وقد روى الدارقطني فيه (لا قضاء عليك) فتأوله علماؤنا على أن معناه لا قضاء عليك الآن وهذا تعسف، وإنما أقول يا ليته صحَّ فنتبعه ونقول به، إلا على أصل مالك في أن خبر الواحد إذا جاء بخلاف القواعد لم يُعْمَل به....)).
(مسألة): قال الإمام النووي: ((ذكرنا أن الأصح عندنا أن المكره على الأكل وغيره لا يبطل صومه، وقال مالك وأبو حنيفة وأحمد يبطل صومه)).
قلت: الصحيح عندنا لا يفطر بل هو معذور لحديث ((رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه))(51).
(مسألة): والرُّعَاف لا يفطر وهو أن ينزل أو يسيل الدم من أنفه، وحتى لو نزل في حلقه دون قصد، أما إذا ابتلع الدم عمداً فإنه يفطر.
ومن المفطرات
(2) الجماع والإنزال عن عمد
قال تعالى: {أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتَانُونَ أَنفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمْ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنْ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنْ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ} البقرة:187.
والرفث ههنا الجماع، فبيَّن سبحانه أن الرَّفث ليلاً جائز والليل شرعاً يبدأ من حين تغرب الشمس وينتهي بطلوع الفجر. والمقصود من الصوم هو تدريب النفس على الطاعات والصبر عن شهوة البطن وشهوة الفرج وعن الشتم والفسق حتى يتعود على ترك الشتم والفسق طوال السنة.
ثم قال تعالى {وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ} البقرة:187.
قال الإمام النووي(52): ((أجمعت الأمة على تحريم الجماع في القبل والدبر على الصائم و(أجمعت) – الأمة - على أن المجامع يَبْطُلُ صومه للآيات الكريمة.. والأحاديث الصحيحة.. وسواء أنزل أم لا فيبطل صومه في الحالين بالإجماع لعموم الآية والأحاديث.
وإذا قَبَّلَ أو باشر فيما دون الفرج أو لمس بشرة امرأة بيده أو غيرها فإن أنزل منياً بطل صومه وإلا فلا)) لما روى أبو داود وغيره عن جابر قال: قال عمر بن الخطاب: هششت فقبلت وأنا صائم، فقلت: يا رسول الله صنعت اليوم أمراً عظيماً، قبَّلت وأنا صائم، قال: ((أرأيت لو مضمضت من الماء وأنت صائم؟!)) قلت: لا بأس به. قال: ((فمه))(53).
قال الشيرازي(54): فشبَّه القبلة بالمضمضة وقد ثبت أنه إذا تمضمض فوصل الماء إلى جوفه أفطر وإن لم يصل لم يُفطر فدلَّ على أن القبلة مثلها(55).
((وذكر صاحب الحاوي وغيره الإجماع على بطلان صوم مَنْ قَبَّلَ أو باشر دون الفرج فأنزل))(56). لكن خالف في ذلك ابن حزم كما في المحلى وحكاه عنه الحافظ في الفتح كما سيأتي بعد أسطر هنا في المسألة التالية.
وعن السيدة عائشة قالت: ((كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يُقَبِّل ويباشر وهو صائم وكان أملككم لإِربْهِ))(57). ومعنى لإربه: أي لحاجته أو لشهوته(58).
(مسألة): لو قَبَّلَ امرأة أو لمسها فأمذى(59) لم يفطر وبه قال الشافعي، وحكاه ابن المنذر عن الحسن البصري والشعبي والأوزاعي وأبي حنيفة وأبي ثور قال: وبه أقول. وقال مالك وأحمد: يفطر(60). دليلنا أنه خارج لا يوجب الغسل فأشبه البول(61). قال الحافظ ابن حجر في ((الفتح)) (4/151): ((واختلف فيما إذا باشر أو قبَّل أو نظر فأنزل أو أمذى، فقال الكوفيون والشافعي: يقضي إذا أنزل في غير النظر ولا قضاء في الإمذاء، وقال مالك وإسحق: يقضي في كل ذلك ويُكَفِّر إلا في الإمذاء فيقضي فقط، واحتج له بأنَّ الإنزال أقصى ما يطلب بالجماع من الالتذاذ في كل ذلك، وتعقب بأن الأحكام علقت بالجماع ولو لم يكن إنزال فافترقا.... وقال ابن قدامة: إن قبَّل فأنزل أفطر بلا خلاف، كذا قال وفيه نظر، فقد حكى ابن حزم أنه لا يفطر ولو أنزل وقوَّى ذلك وذهب إليه)).
(مسألة): إذا استمنى بيده وهو استخراج المني أفطر لأنه أجنب مختاراً متعمداً فكان كالمجامع(62). ولأنه إذا بطل بالوطء بلا إنزال فبالإنزال بمباشرة فيها نوع شهوة أولى(63).
ولأن المقصود من الصوم الامتناع من الشهوات وخاصة شهوة البطن والفرج فإذا أنزل متعمداً بالاستمناء خرق مقصود الصيام فكان مفطراً.
(مسألة): إذا احتلم وهو نائم فلا يفطر بالإجماع لأنه مغلوب و {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} البقرة:286.
(مسألة): قال الإمام النووي(64): ((إذا جامع قبل الفجر ثم نزع مع طلوعه... وأنزل لم يبطل صومه لأنه تولَّد من مباشرة مباحة فلم يجب فيه شيء)).
قلت: بشرط أن لا يكون متلاعباً بأن قصد وعزم على أن يجامع فإذا طلع الفجر نزع لينزل عقيب الفجر فإنه يكون ههنا قاصداً للإنزال بعد طلوع الفجر.
(مسألة): قال الشيخ الحِلِّي في "تذكرة الفقهاء"(65): [ولو نظر إلى ما لا يحل النظر إليه عامداً بشهوة فأمنى، قال الشيخ(66): عليه القضاء. ولو كان نظره إلى ما يحل له النظر إليه فأمنى لم يكن عليه شيء.
ولو أصغى أو تسمَّعَ إلى حديث فأمنى لم يكن عليه شيء عملاً بأصالة البراءة.
وقال الشافعي وأبو حنيفة والثوري: لا يفسد الصوم بالإنزال عقيب النظر مطلقاً لأنه إنزال من غير مباشرة فأشبه الإنزال بالفكر.
وقال أحمد ومالك والحسن البصري وعطاء: يفسد به الصوم مطلقاً، لأنه إنزال بفعل يتلذذ به ويمكن التحرُّز عنه فأشبه الإنزال باللمس...، ولو قلنا بالإفساد بالنظر فلا فرق بين التكرار وعدمه وبه قال مالك، وقال أحمد لا يفسد إلا بالتكرار. ولو فكَّر فأمنى لم يفطر وبه قال الشافعي. وقال أصحاب مالك: يفطر. وتكره القُبْلَةُ للشاب الذي تُحَرِّك القُبْلة شهوته، ولا تكره لمن يملك إرْبه، لأنَّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يقبِّل وهو صائم وكان أملك الناس لإرْبه. ولو أمذى بالتقبيل لم يفطر عند علمائنا وبه قال أبو حنيفة والشافعي وهو مروي عن الحسن والشعبي والأوزاعي.
وقال مالك وأحمد: يفطر] انتهى من "تذكرة الفقهاء" للحِلِّي.
ومن المفطرات
(3) الإغماء والجنون والردة
[لو ارتدَّ عن الإسلام(67) في أثناء الصوم فسد صومه إجماعاً وعليه قضاء ذلك اليوم إذا عاد إلى الإسلام، سواء أسلم في أثناء ذلك اليوم أو بعد انقضائه، وسواء كانت ردته باعتقاد ما يكفر به(68)، أو بشكه فيما يكفر بالشك فيه(69)، أو بالنطق بكلمة الكفر مستهزئاً أو غير مستهزئ.
قال تعالى {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ} التوبة:65- 66.
ولأن الصوم عبادة من شرطها النية، فأبطلتها الردة، كالصلاة والحج، ولأنه عبادة محضة، فنافاها الكفر كالصلاة](70).
ولو أفطر إنسان مسلم في نهار رمضان وكان الصوم واجباً عليه وكان مستحلاً لذلك فهو مُرْتَدٌّ من جملة الكفار.
وروي أن الباقر عليه السلام سئل عن رجل شهد عليه شهود أنه أفطر من شهر رمضان ثلاثة أيام، قال: يُسْأل هل عليك في إفطارك إثم؟ فإن قال لا ؛ كان على الإمام أن يقتله، وإن قال نعم كان على الإمام أن يؤلمه ضرباً(71).
وقال الشيرازي في "المهذب":
[إذا نوى الصوم من الليل ثم أغميَ عليه جميع النهار لم يصح صومه وعليه القضاء، وقال المُزَنِيُّ: يصح صومه كما لو نوى الصوم ثم نام جميع النهار، والدليل على أن الصوم لا يصح أن الصوم نية وترك، ثم لو انفرد الترك عن النية لم يصح فإذا انفردت النية عن الترك لم يصح، وأما النوم فإن أبا سعيد الاصطخري قال: إذا نام جميع النهار لم يصح صومه كما إذا أغميَ عليه جميع النهار، والمذهب أنه يصح صومه إذا نام، والفرق بينه وبين الإغماء أن النائم ثابت العقل لأنه إذا نُبِّهَ انتبه والمغمى عليه بخلافه، ولأن النائم كالمستيقظ ولهذا ولايته ثابتة على ماله بخلاف المغمى عليه](72).
وقد ثبت عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: ((رفع القلم عن ثلاثة: عن الصبي حتى يبلغ، وعن النائم حتى يستيقظ، وعن المجنون حتى يفيق)) وفي رواية: ((وعن المجنون حتى يعقل)) وفي رواية ((وعن المعتوه حتى يعقل))(73). قال سيدي الإمام الشريف المحدث عبدالله ابن الصديق الغماري الحسني رفع الله درجته في كتابه "الابتهاج بتخريج أحاديث المنهاج" ص (130): [تنبيه: نقل عبدالله بن أحمد عن أبيه أنه أنكر الحديث جداً، ونقل الخلال عنه أنه قال: مَنْ زعم أن الخطأ والنسيان مرفوع فقد خالف كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فإنَّ الله أوجب في قتل النفس الخطأ الكفارة.
قلت: هذا غريب من أحمد فإنَّ الحديث صحيح باعتبار طرقه وقد صححه ابن حبان والحاكم، وحسنه النووي في الروضة والأربعين، وليس فيه ما يخالف كتاباً ولا سنةً، إذ المراد من رفع الخطأ والنسيان رفع المؤآخذة بهما كما قال علماء الأصول لا رفع حكمهما كما توهمه، والكمال لله تعالى]. انتهى كلام سيدي عبد الله بن الصديق(74).
ومن المفطرات
(4) الحيض والنفاس
روى مسلم في الصحيح (335) عن معاذة قالت: سألت عائشة فقلت: ما بال الحائض تقضي الصوم ولا تقضي الصلاة؟! فقالت: أحرورية أنت؟! قلت: لست بحرورية! ولكني أسأل! فقالت: كان يصيبنا ذلك فنؤمر بقضاء الصوم ولا نؤمر بقضاء الصلاة.
قال الإمام النووي رحمه الله تعالى(75): ((لا يصح صوم الحائض والنُّفَسَاء ولا يجب عليهما ويحرم عليهما ويجب قضاؤه وهذا كله مجمع عليه، ولو أمسكت لا بنية الصوم لم تأثم وإنما تأثم إذا نوته وإن كان لا ينعقد)).
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الحواشي السفلية والمراجع:
(1) قولنا أو ما في معناهما كأخذ الغذاء بواسطة مادة الجلوكوز بالإبرة في العِرْق والشريان.
(2) رواه الترمذي (788) وقال: هذا حديث حسن صحيح، والنسائي (87) وأبو داود (2366) وابن ماجه (407).
(3) كالبيهقي في "السنن الكبرى" (4/261).
(4) كما في "تاج العروس شرح القاموس" للعلامة الزبيدي الحسيني مادة (جوف) (6/62).
(5) الصقلان هما الجَنْبَان.
(6) كما نص على ذلك الإمام النووي في "شرح المهذب" (6/317) وانظر "شرح فتح القدير" لابن الهمام (2/332و336).
(7) كما ضبطه الحصني في "كفاية الأخيار" (1/205) طبعة دار الفكر، والبقاعي في "فيض الإله المالك" شرح عمدة السالك (1/278) وغيرهما.
(8) رواه عنه عبد الرزاق في "المصنف" (1/170) و (4/208) والطبراني (9/251و314) وقد رواه عن ابن مسعود إبراهيم النخعي، والنخعي لم يلق ابن مسعود وإنما أخذ عن كبار تلامذة ابن مسعود، ولكن إسناده عن ابن مسعود محمول على الاتصال، راجع تحقيق ذلك ص (107) من هذا الكتاب.
(9) علقه البخاري في صحيحه (4/173فتح) في باب الحجامة والقيء للصائم عن ابن عباس، وهو ثابت عن ابن عباس فقد رواه البيهقي في "سننه" (1/116) و (4/261) وابن أبي شيبة (1/52) و (2/308) وذكر أنه مروي عن سيدنا علي رضي الله تعالى عنه أيضاً.
(10) عند أبي يعلى في مسنده (8/75-76و365) وهو حسن على الأقل عندي في مثل هذه الأبواب التي لا يطلب فيها القطع لأن سلمى البكرية روت عن السيدة عائشة والسيدة أم سلمة وقال بما روته سيدنا علي وابن مسعود وابن عباس والأمة متفقة على العمل بهذا.
(11) الجلوكوز أو نحوه في الحقيقة طعام وشراب جاهزان فلا يحتاجان إلى هضم، فالذي يأخذ التغذية من طريق العروق بالإبرة المعروفة يكون قد أراح الجهاز الهضمي من المعدة والبنكرياس والأمعاء من تناول الطعام وهضمه وغير ذلك، لأن الجهاز الهضمي إنما يقوم بعمليات الهضم بأنواعه ونقله من موضع إلى موضع لتجهيز الطعام المفيد الصالح لينقله الدم من الأمعاء إلى كافة خلايا الجسم للتغذية، فإذا أعطي عبر الوريد أو العِرق فقد اختصرنا تلك العمليات الهضمية جميعها وأرسلناه فوراً إلى الدم ليحمله إلى خلايا الجسد.
(12) وهي تصل إلى الجوف والشرع قد عفا عنها لأنه أجاز للصائم أن يغتسل مثلاً ولم يمنعه من ذلك.
(13) ومثل هذا في "فيض الإله المالك" شرح عمدة السالك للبقاعي (1/278).
(14) ورواه البيهقي (4/261) وقال: هذا أصح ما روي في اكتحال النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
(15) قد ضعف هذا الحديث الألباني تقليداً لبعض الحفاظ الذين أعلوه بأن عباد بن منصور لم يروه مباشرة عن عكرمة وإنما رواه عن إبراهيم بن أبي يحيى عن داود بن حصين عن عكرمة، وملخص الأمر عندنا أن إبراهيم بن أبي يحيى شيخ الشافعي ثقة وليس كذاباً كما زعم الألباني في "إرواء غليله" (1/119) وكذا داود بن حصين إنما ضعفوا حديثه عن عكرمة لأن مالكاً رحمه الله تعالى كان يكره عكرمة، فحكم الترمذي بتحسين الحديث هو الصواب والله تعالى أعلم.
(16) حديث حسن. رواه الدارمي في "السنن" (2/26) والبيهقي في "السنن الكبرى" (4/262) وقال عَقِبَهُ: عبد الرحمن هو ابن النعمان بن معبد بن هوذة أبو النعمان، ومعبد بن هوذة الأنصاري هو الذي له هذه الصحبة.
قلت ضعفه بعضهم بعبد الرحمن بن النعمان بن معبد حيث ضعفه ابن معين، لكن قال عنه أبو حاتم: صدوق، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال الحافظ ابن حجر: صدوق ربما غلط، فهذا يقضي عندي بحسن الحديث، وانظر ترجمة الرجل في "تهذيب الكمال" (17/459).
(17) أخرجه ابن ماجه في "السنن" (1678). وقد أورده الألباني في صحيح ابن ماجه (1/280برقم1360) فوهم في تصحيحه لأن الزبيدي الذي في إسناده هو سعيد بن عبد الجبار الحمصي وليس محمد بن الوليد كما حقق ذلك الحافظ ابن حجر في كتاب "النكت الظراف" (12/147) وابن الملقِّن في "البدر المنير"، وسعيد بن عبد الجبار الحمصي هذا كذَّبوه كما في ترجمته في "تهذيب الكمال" (10/522-523).
(18) رواه الترمذي (788) وقال حسن صحيح، وقد تقدم.
(19) "المجموع" شرح المهذب (6/313).
(20) في "المجموع" شرح المهذب (6/320).
(21) ذكره العلامة الحلي في "تذكرة الفقهاء" (6/29)، وعزاه المعلق على الكتاب لكتاب الفقيه والتهذيب والاستبصار والكافي.
(22) المطبوع مع "شرح فتح القدير" (2/344).
(23) الأقبال جمع قُبُل وهو فرج المرأة الذي يحصل فيه الفحص الطبي الذي نتكلَّم عليه.
(24) رواه أبو يعلى في مسنده (3/15برقم1424) وَضَعَّفُوه بعلي بن زيد بن جدعان وقد خالفه حميد وقتادة عن أنس فوقفوه ولم يذكروا فيه إقرار النبي صلى الله عليه وآله وسلم لأبي طلحة.
(25) في "شرح المهذب" (6/314).
(26) قال الحافظ ابن حجر في "فتح الباري" (13/266): ((أخرجه البزار وقال سنده صالح وصححه الحاكم من حديث أبي الدرداء رفعه)). وقال الهيثمي في "مجمع الزوائد" (1/171): رواه البزار والطبراني في الكبير وإسناده حسن ورواه الضياء في "المختارة" (9/522) من قول ابن عباس.
(27) "المجموع شرح المهذب" (6/317).
(28) الذي في "الهداية" المطبوع مع "شرح فتح القدير" لابن الهمام الحنفي (2/333) أن ما كان بمقدار حبة السمسمة إذا كان بين أسنانه متبقياً من الطعام لم يفسد صومه وأما إذا ابتلع سمسمة ولم تكن بين أسنانه أفطر وفسد صومه، ونصُّ الكلام هناك: ((روي عن محمد: أن الصائم إذا ابتلع سمسمة بين أسنانه لا يفسد صومه، ولو أكلها ابتداء يفسد صومه)) وقال في المتن هناك: (وإن أخرجه وأخذه بيده ثم أكله ينبغي أن يفسد صومه). هذا مذهب الحنفية في المسألة، والله تعالى أعلم.
(29) "المجموع شرح المهذب" (6/317) للإمام النووي رحمه الله تعالى.
(30) قال ابن حزم في "مراتب الإجماع" ص (40): ((واتفقوا على أن الريق ما لم يفارق الفم لا يفطر)).
(31) "المجموع" (6/318).
(32) كما ذكر ذلك عنه الإمام النووي في "المجموع شرح المهذب" (6/318).
(33) رواه أحمد في "المسند" (6/123) وأبو داود (2386).
(34) نقله العلامة الحسن بن يوسف الحلي في "تذكرة الفقهاء" (6/23)، وعزاه المعلق عليه للكافي (4/115) والتهذيب (4/ 323/995).
(35) "المجموع" (6/319) وحكم النووي بشذوذ هذا القول والصحيح عندنا أنه ليس بشاذ بل هو الصحيح.
(36) وقال تعالى: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنزِيرِ} المائدة:3، وقال تعالى {إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ} النحل:15.
(37) رواه بألفاظ متقاربة من حديث سيدنا علي الطبراني في "الأوسط" (2/57). ومن حديث أبي هريرة البخاري (887) ومسلم (252) بألفاظ متقاربة.
(38) رواه البخاري (888).
(39) رواه البخاري (889) من حديث سيدنا حذيفة.
(40) علَّقه البخاري في صحيحه في كتاب "الصيام"، وقد رواه مُسنداً الدارمي (681) والنسائي (5) وابن ماجه (289).
(41) هي عقد ظهور الأصابع.
(42) معنى قحراً: أي: مصفرَّة أسنانكم من شدة الخلوف، والبخر بفتحتين نتن رائحة الفم.
(43) حديث ضعيف رواه الحكيم الترمذي (1/185) عن عبد الله بن بسر المازني، قال المناوي في "فيض القدير" (4/518): ((قال الحافظ ابن حجر فيه راوٍ مجهول...)).
(44) رواه البخاري (1894) ومسلم (2/807).
(45) هكذا في "شرح النسائي" للسيوطي (4/161) وفي الفتح بدل لفظ (الحوادث): (الحيوان).
(46) وذكر الترمذي هناك أن البخاري قال: ((لا أراه محفوظاً)). ثم قال: ((وقد رويَ هذا الحديث من غير وجهٍ عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ولا يصح إسناده)).
(47) هو العلامة الحسن بن يوسف بن المطهر توفي سنة (726هـ).
(48) ذكره البخاري في صحيحه معلقاً (4/153) ووصله ابن أبي شيبة (2/304). ومن الغريب العجيب أن سليماً الهلالي وعلياً الحلبي ذكرا في كتابهما (صفة صوم النبي صلى الله عليه وآله وسلم ص 55 من الطبعة السابعة سنة 2000م) هذا الأثر بلفظ (لا بأس أن يذوق الخل أو الشيء ما لم يدخل حلقه وهو صائم) وعزياه للبخاري معلقاً ولابن أبي شيبة والبيهقي في السنن!! فهو بهذا اللفظ لم يذكره البخاري في صحيحه ولا البيهقي في "السنن" وإنما ذكره ابن أبي شيبة في "المصنف" (3/152)، قال الحافظ ابن حجر في تغليق التعليق (3/152) عقبه: (جابر هو الجعفي متروك).
والمذكوران ذكرا أن هذا الأثر حسن!! مع أنه غير حسن ففي سنده متروك وشيخهما المتناقض يقول في ضعيفته (3/167) عن حديث الرجل الموصوف بأنه (سيئ الحفظ) إن [حديثه من قسم المردود كما هو مقرر في المصطلح] فما بالك بالمتروك! فليستيقظا!!
(49) كان العلماء من الصحابة ومن بعدهم إذا كان هناك فعل يرونه مفطراً للصائم يفعلونه ليلاً وقت الإفطار كالحجامة مثلاً عند من يقول بأنها تفطر الصائم، ففي البخاري (فتح 4/173) في (باب الحجامة والقيء للصائم): [وكان ابن عمر رضي الله عنهما يحتجم وهو صائم ثم تركه فكان يحتجم بالليل، واحتجم أبو موسى ليلاً]. وعليه فينبغي للمسلمين اليوم أن يراعوا ذلك وأن يفتح الأطباء ومنهم أطباء الأسنان ليلاً للضرورة لمن ألمَّ به شيء والله الموفق والهادي.
(50) رواه البخاري (1938).
(51) رواه ابن حبان في الصحيح (16/202) من حديث ابن عباس، والحاكم في "المستدرك" (2/198) وابن ماجه (2045) وغيرهم. وهو حديث صحيح.
(52) رحمه الله تعالى في "المجموع شرح المهذب" (6/321).
(53) رواه الدارمي (1661) وأبو داود (2385) وأحمد في المسند (1/21و52) قال الحافظ في "الفتح" (4/152): ((أخرجه أبو داود والنسائي من حديث عمر، قال النسائي: منكر، وصححه ابن خزيمة وابن حبان والحاكم)) لكن لم أجد ذلك في سنن النسائي الكبرى أعني وصفه بالنكارة.
(54) رحمه الله تعالى في المهذب، انظر "المجموع" للإمام النووي (6/321).
(55) ومثل هذا أيضاً ذكره الحافظ ابن حجر في "الفتح" (4/152) نقلاً عن المازري.
(56) انظر "المجموع" للنووي (6/322) وهو في الحاوي للماوردي (3/438).
(57) رواه البخاري في الصحيح (1927)، ومسلم (1106).
(58) انظر فتح الباري (4/151).
(59) انتبه هنا لم يقل فأمنى بل قال فأمذى، والمذي هو الماء اللزج الخارج في حالة ثوران الشهوة.
(60) لأنه عنده خارج تخلله شهوة فإذا انضم إلى المباشرة أفطر به كالمني، انظر مغني الحنابلة (3/47).
(61) هذا كلام النووي في "المجموع" (6/323) ومثله الحلي في "تذكرة الفقهاء" (6/45).
(62) هكذا قال الحلي في "تذكرة الفقهاء" (6/44).
(63) هكذا قال الشيخ زكريا الأنصاري في شرح بهجة ابن الوردي (2/211).
(64) في "المجموع شرح المهذب" (6/322).
(65) التذكرة (6/24).
(66) عزاه المحقق في الحاشية للطوسي في المبسوط (1/272).
(67) كمن يسب الدين أو الرب أو نبي من الأنبياء أو نحو ذلك والعياذ بالله تعالى.
(68) كمن اعتقد أن له سبحانه شريكاً أو ولداً أو أنه جسم أو شَبَّهَهُ بشيء من خلقه تعالى الله سبحانه.
(69) كمن شك هل له ولد أم لا؟ أو أنه هل هو في مكان أم لا؟ إذ يجب القطع بتنزيهه سبحانه عن الولد والمكان.
(70) هذا كلام العلامة الحلي منقولاً من كتابه "تذكرة الفقهاء" (6/81).
(71) نقل هذا الحلي في "تذكرة الفقهاء" (6/87) وعزاه للكافي والفقيه والتهذيب.
(72) "المجموع شرح المهذب" (6/345).
(73) صحيح. رواه أحمد في المسند (6/100) والبخاري في صحيحه معلقاً (9/388) و (12/120فتح) من حديث سيدنا علي عليه السلام ، رويَ مرفوعاً من حديث سيدنا علي والسيدة عائشة وأبي هريرة، وأخرجه النَّسائي (6/156) وأبو داود (4/140) والترمذي (4/32) وابن خزيمة (2/102) وابن حبان (1/178) وغيرهم.
(74) وقد ذكرت في كتابي "صحيح شرح العقيدة الطحاوية" ص (80-81) أدلة أخرى صحيحة من القرآن والسنة تثبت معنى حديث ((رفع عن أمتي النسيان والخطأ وما استكرهوا عليه)).
(75) في "المجموع شرح المهذب" (6/257).
المفطرات التي على الصائم الإمتناع عنها (بحث شامل لكل قضايا المفطرات للصائم)
من كتاب صحيح صفة صيام النبي صلى الله عليه وآله وسلم
امتناع الصائم عن المفطرات
(1) الامتناع عن الأكل والشرب وما في معناهما
الصيام هو امتناع المسلم عن أمور نص الشرع عليها وهي:
1- الأكل والشرب أو ما في معناهما(1). لقوله تعالى: {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمْ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنْ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنْ الْفَجْرِ} البقرة:187، فبيَّن الله تعالى أن الأكل والشرب جائز ليلاً وإنما يمتنع ذلك إذا طلع الفجر حتى يأتي الليل وأوله غروب الشمس في الأفق وهو تواريها في الحجاب، لقوله تعالى: {ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ} البقرة:187.
فكل طعام أو شراب وصل إلى الجوف أفطر، والجوف أوله من الحلق لحديث ((وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائماً))(2) فبيَّن النبي صلى الله عليه وآله وسلم له في هذا الحديث أن الماء إذا كان في الفم لا يفطر وأما إذا بالغ في الاستنشاق فوصل إلى الحلق أو ابتلع جزءاً منه فإنه يفطر ولذلك أوصاه أن لا يبالغ. وألحق الفقهاء والمحدثون(3) المضمضة بالاستنشاق.
فكل عين وصلت إلى الجوف يفطر الصائم بها ولو كانت حصاة لا يستفيد الجسم منها حيث تخرج من الإنسان كما دخلت.
والجوف في اللغة(4): ما انطبقت عليه الكتفان والعضدان والأضلاع والصقلان(5).
فيكون الجوف هو التجويف الواقع في الإنسان من آخر الفم ومبدأ الحلقوم وهو الحَلْقُ إلى الفرجين في أسفل البطن.
الإبر في الوريد وفي العضل: والأصل في الصيام الامتناع عن الأكل والشرب وهنا وردت عدة مسائل تتعلق بهذا الأمر وهي: الاكتحال في العين والتقطير في العين والأنف والأذن وأخذ المريض في العروق الغذاء (مادة الجلوكوز) والإبرة للتداوي، والنشوق وبعض الأدوية الأخرى.
والأصل في ذلك منع إدخال أي شيء إلى الجوف وقد نص بعض الفقهاء على أنه لو ابتلع حصاة أفطر(6)، فالإبرة سواء كانت للتغذية أو للدواء فإنها تصل بواسطة الدم إلى الجوف وإلى جميع أجزاء الجسم أثناء الدورة الدموية فـتصل إلى القلب أو إلى الكبد أو إلى الأمعاء وهي من الجوف فيفطر بها. والإبرة تحت الجلد مفطرة.
وقد نص الفقهاء على أنه من طعن نفسه أو غرز شيئاً في بطنه أفطر بخلاف من طعن نفسه أو غرز شيئاً في فخذه مثلاً لأن الفخذ ليست جوفاً.
وقد اجتمعت الأدلة على أن الفطر يقع على كل ما يدخل إلى الجوف. وضابطه أنه يفطر بكل عينٍ وصلت من الظاهر إلى الباطن عن قصد أي عالماً عامداً مختاراً مع ذِكْرِ الصوم(7).
روي عن عبد الله بن مسعود(8) وابن عباس قالا: (الفطر مما دخل وليس مما خرج)(9) وهو ثابت عنهما، وقد روي هذا مرفوعاً من طريق السيدة عائشة(10) وفي السند سلمى البكرية امرأة لا تعرف.
فمجموع ما ورد من مثل (وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائماً) مع (الفطر مما دخل وليس مما خرج) مع ما ورد في القرآن الكريم من تحريم الأكل والشرب على الصائم مع النظر إلى معنى الصيام وهو منع الصائم من الأكل والشرب يفيد كل هذا أن المقصود من الصيام منع إدخال المسلم شيئاً إلى جوفه. فقول من قال بأن الممنوع منه هو إيصال شيء إلى الجهاز الهضمي قول غير صحيح؛ لأنَّ تغذية الجسم بواسطة الجلوكوز أو نحوه من عِرق في الجسم هو وصوله إلى الجسم دون الجهاز الهضمي وهو خَرْقٌ لمعنى الصيام وإبطاله(11)، ولأن هذا في الحقيقة طعام وشراب جاهز.
ومن قال بأن الإبرة (الحقنة) العضلية لا تفطر يقول بأن إبرة التغذية تفطر مع أن كليهما من منفذ غير مفتوح أصلاً، والتمسك بقول بعض الفقهاء (من منفذ غير مفتوح) تمسك لا يصح، وذلك لأن قول بعض الفقهاء ليس كنص الكتاب والسنة المُنَزَّهَينِ عن الخطأ بل هو اجتهاد يصيب ويخطئ، على أن قول الفقهاء من منفذ مفتوح لا يقصدون به الإبر لأن الإبر لم تكن في زمنهم وإنما يَعْنُون ويقصدون به الاحترازات عن مسامات الجسم المتشربة مثلاً للماء وقت الاستحمام وكذا للدهون والعطور التي يضعها الإنسان على جسده(12).
ويدل على ذلك قول الفقيه ابن حجر الهيتمي المكي مثلاً في كتابه "فتح الجواد بشرح الإرشاد" (1/287) حيث يقول: [وإنما يفطر بدخول العين إلى ما مرَّ إن وصلت من منفذ مفتوح (لا من مسامٍّ) بتشديد الميم وهي ثقب البدن جمع سَم، بتثليث أوله والفتح أفصح، بأن ادَّهَنَ أو اكتحل فوصل لجوفه لأنه لما لم يصل من منفذ مفتوح كان كالانغماس في الماء وإن وجد أثره في بطنه...](13).
وقال العلامة الأردبيلي في كتابه "الأنوار لأعمال الأبرار" (1/232): ((الثالث: المنفذ المفتوح فلا يفطر بالاكتحال والانغماس في الماء وإن وجد البرد في الأحشاء ولا بتشرب الدهن بالمسام وإن وجد الطعم بالحلق)). ويجب أن يُعلَم ههنا أن الإبرة العضلية أيضاً تصبح بعد دقائق معدودة وريدية في الجسم وذلك لأن الشُعَيرات الدقيقة تبدأ بامتصاص المادة وتحولها إلى الشريان أو العِرْق الرئيسي في ذلك العضو أو الجزء من بدن الإنسان، فالحاصل أن الإبرة أصبحت منفذاً مفتوحاً أو كالمفتوح في الحكم لأنه يمكن بواسطتها إدخال كميات من الطعام الجاهز للجسم وغير ذلك.
فمختصر القضية أن الشرع منع في الصيام أن يدخل شيء إلى الجوف واستثنى من أكل أو شرب ناسياً ومن سبق الماء إلى جوفه حال المضمضة والاستنشاق ولم يكن قد بالغ فيهما وكذا استثنى ما يتشربه المسام كالاغتسال والادِّهان والاكتحال عند من يقول بصحة الحديث فيه.
وقد حاول بعض المعاصرين أن يبيحوا الإبرة للصائم مواكبة لهم لما حدث في هذا العصر ولئلا يقال عنهم بأنهم متخلِّفون مع أنه يمكن أن يتناول الإبرة إن احتاجها ليلاً، وإن كانت الحاجة ماسة فهو مريض يفطر ويقضي ذلك اليوم الذي أخذ فيه تلك الإبرة.
الكحل للصائم:
هناك أحاديث عامة في مطلق الاكتحال مثل حديث عكرمة عن ابن عباس: ((اكتحلوا بالإثمد فإنه يجلوا البصر وينبت الشعر))(14) وزعم أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كانت له مكحلة يكتحل بها كل ليلة ثلاثة في هذه وثلاثة في هذه. وهذا رواه الترمذي في سننه (1757) وحسنه فقال: حسن غريب(15).
وعن عبد الرحمن أبو النعمان الأنصاري حدثني أبي عن جدي قال: وكان جده أتى به النبي صلى الله عليه وآله وسلم فمسح على رأسه فقال: ((لا تكتحل بالنهار وأنت صائم، اكتحل ليلاً، الإثمد يجلو البصر وينبت الشعر))(16).
وهناك حديثان ضعيفان في جواز الكحل للصائم وهما:
الأول: حديث أنس بن مالك قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال: اشتكت عيني أفأكتحل وأنا صائم؟ قال: ((نعم)). رواه الترمذي (726) وقال عقبه:
((حديث أنس حديث ليس إسناده بالقوي ولا يصح عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم في هذا الباب شيء وأبو عاتكة يُضَعَّف، واختلف أهل العلم في الكحل للصائم فكرهه بعضهم وهو قول سفيان وابن المبارك وأحمد وإسحاق، ورخَّص بعض أهل العلم في الكحل للصائم وهو قول الشافعي)).
ومعنى قول الترمذي عندي هو: أنه لم يصح في جواز الكحل للصائم حديث.
والحديث الثاني: عن عائشة قالت: اكتحل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو صائم(17). وهو حديث واهٍ أو موضوع.
حكم المسألة: الذي أراه أن الاكتحال لا يجوز للصائم، وننصح من يقول بجواز الاكتحال للصائم أن يتركه احتياطاً للعبادة كما تفيده الأحاديث المانعة للاكتحال والناصة على أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يكتحل ليلاً إذ لا ضرورة للكحل، وأما قطرة العين فإذا كان بوسعه أن يأخذها ليلاً فالمتجه أنه لا يجوز أن يأخذها نهاراً، وأما إذا اضطر إليها فيجوز ولا يفطر قياساً على قطرة ماء دخلت في عينه من الوضوء أو الغسل، فإن الصائم لم يمنع من ذلك، أي من إدخال الماء إلى عينه في الوضوء والغسل، ولم يؤمر بتغميض عينيه وإنما أُمِر أن لا يبالغ في الاستنشاق.
وأما قطرة الأذن وإدخال شيء فيها فجائز، لأن الشارع أجاز الغسل والاستحمام للصائم ولم يمنعه كما لم يُحَرِّم السباحة له مع أن الأفضل للصائم والأتقى أن لا يسبح لئلا يسبق إلى فمه أو منخره شيء من الماء، وكذا استعمال العود الذي تُنَظَّفُ الأذن به (المسمى بنكاشة الأذنين) فجائز لا سيما وأنه لا تدخل معه أي مادة ثم هو غير مستقر في الأذن وإنما هو يخرج منها.
والاحتياط أن لا يُقَطِّرَ في أذنه شيء لأن ماء الاستحمام إذا دخل أذنه فإنه يدخله بغير قصد بخلاف القطرة فإنها بقصد، والله تعالى أعلم.
قطرة الأنف: غير جائزة لورود النص بعدم المبالغة في الاستنشاق وهو قوله صلى الله عليه وآله وسلم ((وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائماً))(18)، أما إذا دهن مادة في أنفه كمادة (المنتولاتو) أو (الفيكس) فإنه لا يجوز كالسعوط لأنه يُدْخِلُ شيئاً إلى جوفه يشعر بطعمه في حلقه عندما ينزل ما في أنفه إلى حلقه.
وأما البخاخ الذي يأخذه صاحب الأزمة الصدرية والربو والتحسس الصدري: فالمتجه أنه جائز عند الضرورة إذ لا يمكنه الاستغناء عنه وصاحبه قادر على الصوم وعلى ترك الطعام والشراب والمادة التي فيه قريبة من مقدار تشرب المسام، فالواجب على من ابتلي بهذا المرض أن يبحث عن دواء يمكن أن يدوم مفعوله طيلة النهار ولا يحتاج أثناء الصيام للدواء الذي هو هذا (البخاخ) فإن احتاج إليه وكان هذا المرض الذي هو الأزمة دائماً لا ينقطع عنه جاز أن يستعمل البخاخ ويتم صومه ولا قضاء عليه فيما نرى، لأن المادة قليلة جداً تعادل ما يدخل إلى أنف الصائم من غبار الطريق أو ما يدخل فمه فيبقى فيه من ماء المضمضة. وأما التبخيرة لمن معه أزمة صدرية فلا تفطر لأنها كالبخاخ.
ومن ذلك البنج الذي يأخذه من أراد خلع ضرسه أو أسنانه أو عند تنظيفها وحشوها: فالصحيح عندنا أنه يفطر من أخذ إبرة بنج لخلع سِنِّهِ أو لتنظيفه وحشوه من الالتهاب لأن البنج إبرة عضلية لمادة مصيرها الدخول إلى الجوف، وقد تقدم أن الإبرة العضلية مفطرة عندنا قطعاً، أما مَن يريد تنظيف أسنانه عند الطبيب مع أخذ إبرة بنج فإنه لا يجوز له في نهار رمضان بل إما أن يجعل هذا الأمر قبل أو بعد رمضان أو ليلاً، وأما من توفر له طبيب أسنان ليلاً فإنه إن لم يتضرر من الألم أو نحوه فإنه لا يجوز له الفعل إلا ليلاً، ومن أخذ إبرة بنج نهاراً أثناء الصوم أفطر وعليه قضاء ذلك اليوم. أما أي شخص ينظف أسنانه سواء عند الطبيب أو في بيته ولم يأخذ إبرة بنج فإنه لا يُفطر بشرط أن لا يبتلع شيئاً ولا يدخل شيء إلى جوفه.
وأما من وضع له الطبيب دواء في نهار الصيام على سنه دون أن يصل شيء من الدواء إلى جوفه فإنه لا يفطر لأن الفم ليس بجوف كما هو معلوم.
والقاعدة في هذا أن المريض القادر على الصوم والذي لا يضر به الصوم أو الذي يحتاج إلى دواء يجب عليه أن يسأل الأطباء والصيادلة عن دواء طويل المفعول يغنيه عن تناول الدواء أثناء النهار إن كان قادراً على الصوم كالمريض بالأزمة الصدرية أو السكري أو ارتفاع الضغط أو نحو ذلك.
روى البخاري (فتح 4/173) في (باب الحجامة والقيء للصائم): [وكان ابن عمر رضي الله عنهما يحتجم وهو صائم ثم تركه فكان يحتجم بالليل، واحتجم أبو موسى ليلاً]. وعليه فينبغي للمسلمين اليوم أن يراعوا ذلك وأن يفتح الأطباء ومنهم أطباء الأسنان ليلاً للضرورة لمن ألمَّ به شيء والله الموفق والهادي.
(مسألة): في الحقنة في الشرج: قال الإمام النووي رحمه الله تعالى: ((وأما الحقنة فتفطر على المذهب وبه قطع المصنف والجمهور.... فعلى المذهب قال أصحابنا: سواء كانت الحقنة قليلة أو كثيرة وسواء وصلت إلى المعدة أم لا فهي مفطرة بكل حال عندنا))(19).
ثم قال النووي رحمه الله تعالى(20): ((الحقنة ذكرنا أنها مفطرة عندنا ـ أي الشافعية ـ ونقله ابن المنذر عن عطاء والثوري وأبي حنيفة وأحمد وإسحاق، وحكاه العبدري وسائر أصحابنا أيضاً عن مالك، ونقله المتولي عن عامة العلماء، وقال الحسن بن صالح وداود لا يفطر)).
قلت: وجاء عن سيدنا الإمام علي الرضا رضي الله عنه أنه قال: ((الصائم لا يجوز له أن يحتقن))(21).
(مسألة): وأما الفحص الداخلي للمرأة فإنه يفطر بولوج أي شيء في الفرج سواء كان على الآلة المدخلة في الفرج مادة أم لا، فإن أمكن الفحص ليلاً أو تأخيره إلى ما بعد رمضان أو أثناء الدورة الشهرية وجب وإلا جاز عند الاضطرار وتفطر وتقضي ذلك اليوم.
قال العلامة البابرتي الحنفي المتوفى سنة 786 هـ في "شرح العناية على الهداية"(22) ما نصه:
((وتكلَّموا في الإفطار في أقبال(23) النساء. فقيل: هو على هذا الاختلاف، وقيل يشبه الحقنة فيفسد الصوم بلا خلاف، وقيل: وهو الأصح)).
(مسألة): والعلك يفطر جزماً إن كان معه سُكَّر أو طعم أي مادة وأما العلك المسمى بالعربي فإن بعض الفقهاء يقول بكراهته والصحيح عندنا أنه محرَّم لا يجوز لاحتمال انفصال جزء منه ودخوله إلى الجوف لكنه إن خلا عن أي مادة منفصلة لم يفطر مع قولنا بكراهة أو حرمة العلك للصائم.
(مسألة): وشم العطر والتضمخ أي التمسح به لا يفطر، فقد أمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم الذاهب إلى الجمعة أن يمس من طيب بيته ولم يستثن الصائم. ففي البخاري أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: ((لا يغتسل رجل يوم الجمعة ويتطهر ما استطاع من طهر ويدَّهن من دهنه أو يمس من طيب بيته ثم يخرج ولا يفرِّق بين اثنين ثم يصلي ما كتب له ثم يُنصت إذا تكلَّم الإمام إلا غفر له ما بينه وبين الجمعة الأخرى)) رواه البخاري (883).
(مسألة): (تحمير الوجه بالأصباغ) وهو وضع المكياج على وجه المرأة الصائمة ليس من المفطرات ولكنه من المكروهات لأن الصائم ينبغي أن يترك الشهوة وما يثيرها وهذا من أصول مقاصد الصوم، ولو قيل بتحريم المكياج للصائمة لم يبعد هذا.
(مسألة): قال الإمام النووي رحمه الله تعالى: ((قال الشافعي والأصحاب رحمهم الله تعالى: إذا ابتلع الصائم ما لا يؤكل في العادة كدرهمٍ ودينارٍ أو تراب أو حصاةٍ أو حشيشاً أو ناراً أو حديداً أو خيطاً أو غير ذلك أفطر بلا خلاف عندنا وبه قال أبو حنيفة ومالك وأحمد وداود وجماهير العلماء من السلف والخلف)).
قلت: وقد جاء أن أبا طلحة الأنصاري كان يأكل البَرَدَ في الصوم ويقول: ليس بطعام ولا شراب. وقد روى هذا أحمد في مسنده (3/279) والبزار (1021و1022) عن أنس بن مالك قال: مُطِرْنا بَرَداً وأبو طلحة صائم فجعل يأكل منه، قيل له: أتأكل وأنت صائم فقال: إنما هذا بركة. وإسناده صحيح. ويروى أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أقرَّه(24) وردَّ ذلك الحفاظ بتضعيفهم إياه، وقال البزار عقب روايته لهذا الأثر: لا نعلم هذا الفعل إلا عن أبي طلحة.
قلت: فعل أبي طلحة ليس بحجة وهو خلاف ما عليه الصحابة وأهل العلم، والبَرَد ماء متجمد وهو يفطر قطعاً.
(مسألة): قال الإمام النووي(25) رحمه الله تعالى: لو ابتلع طرف خيط وطرفه الآخر بارزاً أفطر بوصول الطرف الواصل.
(مسألة): قال الإمام النووي رحمه الله تعالى: ((لو أدخل الرجل إصبعه أو غيرها دبره أو أدخلت المرأة أصبعها أو غيرها دبرها أو قُبُلها وبقي البعض خارجاً بطل الصوم باتفاق أصحابنا إلا الوجه الشاذ السابق عن الحناطي)).
قلت: الصواب عندي أنه لا يفطر لأن الاستنجاء مأمور به شرعاً ويحتاج الإنسان لإدخال جزء يسير من إصبعه والشرع لم ينبه الصائم عن الاحتراز عن ذلك فهو مسكوت عنه، لحديث: ((ما أحل الله في كتابه فهو حلال، وما حرَّم فهو حرام، وما سكت عنه فهو عفو فاقبلوا من الله عافيته....))(26) الحديث.
(مسألة): قال الإمام النووي(27) رحمه الله تعالى: [قال أصحابنا إذا بقي في خلل أسنانه طعام فينبغي أن يخلله في الليل وينقي فمه فإن أصبح صائماً وفي خلل أسنانه شيء فابتلعه عمداً أفطر بلا خلاف عندنا وبه قال مالك وأبو يوسف وأحمد.
وقال أبو حنيفة: لا يفطر، وقال زُفَر: يفطر وعليه الكفارة.
ودليلنا في فطره أنه ابتلع ما يمكنه الاحتراز عنه ولا تدعو حاجته إليه فبطل صومه... والدليل على زُفَر أن الكفارة إنما وجبت في الجماع لفحشه فلا يلحق به ما دونه، والله تعالى أعلم...... أما إذا جرى به الريق فبلعه بغير قصد فنقل المزني أنه لا يفطر ونقل الربيع أنه يفطر.... والصحيح الذي قاله الأكثرون أنهما على حالين فحيث قال لا يُفْطِر أراد إذا لم يقدر على تمييزه ومجِّه، وحيث قال يفطر أراد إذا قدر فلم يفعل وابتلعه..
وقال إمام الحرمين والغزالي: إن نقَّى أسنانه بالخلال على العادة لم يفطر كغبار الطريق وإلا أفطر لتقصيره كالمبالغة في المضمضة] انتهى من "شرح المهذب". وعليه فيجب على الصائم أن يزيل بقايا الطعام التي في فمه أو الظاهرة بين أسنانه وقد أصبح الأمر سهلاً اليوم باستعمال خيط الأسنان أو الفرشاة قبل أذان الفجر أو عند استيقاظه صباحاً.
(مسألة): ((لو ابتلع شيئاً يسيراً جداً كحبة سمسم أو خردل ونحوهما أفطر بلا خلاف عندنا وبه قال جمهور العلماء، وقال المتولي يفطر عندنا ولا يفطر عند أبي حنيفة(28) كما قال في الباقي في خلل الأسنان))(29).
(مسألة): ((ابتلاع الريق لا يفطر بالإجماع(30).. لأنه يعسر الاحتراز منه... وإنما لا يفطر بشروط: (أحدها): أن يتمحض الريق فلو اختلط بغيره... أفطر بابتلاعه... (الثاني): أن يبتلعه من معدنه فلو خرج عن فمه ثم ردَّه بلسانه أو غير لسانه وابتلعه أفطر. ولو أخرج لسانه وعليه ريق حتى برز لسانه إلى خارج فمه ثم رده وابتلعه... لا يفطر. فلو جمع ريقه قصداً ثم ابتلعه لا يفطر، ولو اجتمع ريق كثير بغير قصد بأن كثر كلامه أو غير ذلك بغير قصد فابتلعه لم يُفطر بلا خلاف)) انتهى باختصار من "المجموع"(31).
(مسألة): لو بلَّ الخياط خيطاً بالريق ثم ردَّه مبلولاً بريقه إلى فمه لا يفطر كما لا يفطر بالباقي من ماء المضمضة كما قاله أبو محمد الجويني(32) هذا هو الصحيح عندنا إلا إذا كان متلاعباً. وهذا شبيه بمسألة البخاخ للصائم التي ذكرناها قبل قليل.
(مسألة): قال الحافظ ابن حجر في "الفتح" (4/153): [روى أبو داود وحده من طريق مصدع بن يحيى عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يقبلها وهو صائم ويمص لسانها(33) وإسناده ضعيف، ولو صحَّ فهو محمول على من لم يبتلع ريقه الذي خالط ريقها]. وقال النووي نحو هذا في "شرح المهذب" (6/318).
(مسألة) وأما النخامة سواء خرجت من صدره أو من أنفه ومجاري التنفس فإنه إن ابتلعها الصائم لا يُفْطِرُ لأنه كالريق من نفس جسم الإنسان ولم يأت من الخارج، ولم ينبِّه النبي صلى الله عليه وآله وسلم على أنه يفطر بابتلاعها مع عموم الابتلاء بها. قال الإمام جعفر الصادق عليه السلام: لا بأس أن يزدرد الصائم نخامته(34). وحكى الإمام النووي عن صاحب العدة والبيان من الشافعية أن الصائم لا يفطر بابتلاع النخامة لأن جنسها معفو عنه(35).
(مسألة): إذا نزل من فمه دم فأصل حكمه كالنخامة بأنه شيء من البدن لكن هنا يحرم ابتلاع الدم لكونه نجساً ويحرم أكله وابتلاعه لقوله تعالى {إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ} البقرة:173(36) خلافاً للنخامة فإنها طاهرة، فعليه أن يبصق الدم ويغسلَ فمه منه.
(مسألة): وأما السواك فمستحب للصائم والظاهر أنه يعفى ما بقي فيه من الريق إن أخرجه من فمه ثم أعاده وأدخله، لكن لو انفصلت من السواك قطعة فابتلعها عمداً فإنه يفطر، والصحيح عندنا أنه يستحب طيلة النهار.
وفرشاة الأسنان بمعناه وحكمها حكم السواك حيث تستحب إن لم يكن عليها مادة بلا خلاف، أما إذا وضع معجون أسنان في فمه فهذا محل الخلاف والذي نقول به أنه يجوز ولا يفطر بوضع المعجون بشرط أن يحترز من دخول شيء منه إلى الحلق كالمبالغة في المضمضة.
ومن المناسب أن ينبَّه عليه هنا أن بعض الناس تصدر من فمهم رائحة كريهة جداً فهؤلاء يجب عليهم أن يباشروا أسباب إزالة الرائحة من أفواههم وأهم ذلك استعمال (خيط الأسنان الطبي) واستعمال فرشاة الأسنان مع المعجون، وإذا كان بالأسنان نخر أو ثقوب فينبغي أن يراجع طبيب الأسنان لتنظيفها وحشوها، فإن بقايا الطعام المجتمع في نخور الطواحين والأسنان يسبب هذه الروائح الكريهة، نسأله العافية.
وقد حث النبي صلى الله عليه وآله وسلم على السواك في أحاديث كثيرة فمن ذلك حديث سيدنا علي عليه السلام وأبي هريرة قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ((لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك مع كل صلاة))(37) وعن أنس بن مالك قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ((أكثرت عليكم في السواك))(38). ((وكان صلى الله عليه وآله وسلم إذا قام من الليل يَشُوصُ فاهُ))(39). وعن السيدة عائشة رضي الله عنها قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ((السواك مطهرة للفم مرضاة للرب))(40).
قد تبين من هذا الحديث الأخير أن تطهير الفم وتنظيفه وطيب رائحته مرضاة للرب سبحانه وتعالى، وفي ذلك حَثٌّ بالغٌ على سلوك سُبُل تنظيف الفم، واعلم أن استعمال الخيط الطبي في إخراج الفضلات من بين الأسنان هو من أعظم أسباب إزالة الرائحة الكريهة من الفم فليحافظ على استعماله المسلم ما استطاع، وَلْيَهْتَمَّ بنظافة فمه وطيب رائحته، لا سيما وقد جاء في حديثٍ: ((.. نَقُّوا براجمكم(41) وَنَظِّفوا لِثَاتِكُم من الطعام، واستاكوا، ولا تدخلوا عليَّ قُحْرَاً(42) بُخْرَاً))(43).
وأما حديث: ((والذي نفسي بيده لَخُلُوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك))(44). فقال الحافظ ابن حجر في شرحه في "الفتح" (4/105):
((اختلف في كون الخلوف أطيب عند الله من ريح المسك مع أنه سبحانه مُنَزَّهٌ عن استطابة الروائح إذ ذاك من صفات الحوادث(45) ومع أنه يعلم الشيء على ما هو عليه، على أوجهٍ: قال المازري: هو مجاز لأنه جرت العادة بتقريب الروائح الطيبة منا فاستعير ذلك للصوم لتقريبه من الله، فالمعنى أنه أطيب عند الله من ريح المسك عندكم، أي يقرب إليه أكثر من تقريب المسك إليكم، وإلى ذلك أشار ابن عبد البر، وقيل: المراد أن ذلك في حق الملائكة...)).
قلت: والإنسان إذا انقطع عن الطعام مدة طويلة فإنه تظهر لفمه رائحة فإذا كان محافظاً على السواك وعلى تنظيف فمه فإن تلك الرائحة تكون خفيفة وهي المرادة هنا، وأما أولئك الذين لهم رائحة فم قذرة جداً دون أن يصوموا والصيام يزيدها نتانة وبخراً فهؤلاء مخالفون لسنة الحبيب الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم ومعرضون عنها.
(مسألة): القيء لا يفطر به الصائم والاستقاءة يفطر بفعلها الصائم: جاء في حديث أبي هريرة قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ((مَنْ ذَرَعَهُ القيء فليس عليه قضاء، ومَنْ استقاء عَمْدَاً فَلْيَقْضِ)) رواه الترمذي (720) وقال: حسن غريب(46).
قال الترمذي: ((وقد رويَ عن أبي الدرداء وثوبان وفضالة بن عبيد، أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان صائماً متطوعاً فقاءَ فَضَعُفَ فأفطر لذلك، هكذا رُوِيَ في بعض الحديث مفسَّرَاً، والعمل عند أهل العلم على حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن الصائم إذا ذرعَهُ القيء فلا قضاء عليه، وإذا استقاء عمداً فليقضِ)).
قال الحلي(47) في "تذكرة الفقهاء" (6/29): ((أمَّا لو ذرعه القيء فإنه لا يفطر بإجماع العلماء)).
(مسألة): ذوق الطعام لا يفطر الصائم: ومما ورد في ذلك قول ابن عباس رضي الله عنهما: ((لا بأس أن يتطعَّم القِدْرَ أو الشيء))(48). ولأنه ليس في الذوق دخول الطعام إلى الجوف. وليحذر من ابتلاعه وليتمضمض بعد أن يذوقه.
(مسألة): عملية التنظير التي يتم إدخال شيء فيها للجوف مفطرة بمجرَّد وصول شيء للحلق لو فرضنا أنه يمكن ذلك بدون أن يتناول المعمول له عملية التنظير طعاماً أو شراباً ودون استقاءة. فيعتبر فاطراً وعليه قضاء ذلك اليوم.
(مسألة): إذا أمكن أن يكون هناك فحص طبي ليلي(49) أو في غير وقت الصيام وكان ذلك الفحص يؤدي للفطر سواء في الفرج أو في أي منفذ فإنه يحرم نهاراً أثناء الصيام إذا وجد البديل ليلاً أو كان بالإمكان الصبر لوقت الإفطار، لأنه لا يجوز إفساد العبادة لغير ضرورة لقوله تعالى {وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ} محمد:33.
(مسألة): سحب الدم أثناء الصيام لا يفطر لأنه لم يدخل للجوف شيء، وقد ثبت أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم احتجم وهو صائم(50).
(مسألة): من أكل أو شرب ناسياً لا يبطل صومه سواء أكل كثيراً أو قليلاً لما جاء في الحديث الذي رواه البخاري (6669) ومسلم (1673): ((من أكل ناسياً وهو صائم فليتم صومه فإنما أطعمه الله وسقاه)).
قال الحافظ ابن حجر في شرح الحديث في "الفتح" (4/155) ما نصه:
((قوله (باب الصائم إذا أكل أو شرب ناسياً) أي هل يجب عليه القضاء أو لا؟ وهي مسألةُ خلافٍ مشهورةٍ، فذهب الجمهور إلى عدم الوجوب، وعن مالك يبطل صومه ويجب عليه القضاء، قال عياض: هذا هو المشهور عنه وهو قول شيخه ربيعة وجميع أصحاب مالك، لكن فرَّقوا بين الفرض والنفل، وقال الداودي: لعل مالكاً لم يبلغه الحديث أو أوَّلَهُ على رفع الإثم)).
ثم قال الحافظ بعد ذلك بنحو صحيفة:
((قال ابن العربي: تمسك جميع فقهاء الأمصار بظاهر هذا الحديث، وتطلع مالك إلى مسألة من طريقها فأشرف عليه، لأن الفطر ضد الصوم والإمساك ركن الصوم فأشبه ما لو نسي ركعة من الصلاة، قال: وقد روى الدارقطني فيه (لا قضاء عليك) فتأوله علماؤنا على أن معناه لا قضاء عليك الآن وهذا تعسف، وإنما أقول يا ليته صحَّ فنتبعه ونقول به، إلا على أصل مالك في أن خبر الواحد إذا جاء بخلاف القواعد لم يُعْمَل به....)).
(مسألة): قال الإمام النووي: ((ذكرنا أن الأصح عندنا أن المكره على الأكل وغيره لا يبطل صومه، وقال مالك وأبو حنيفة وأحمد يبطل صومه)).
قلت: الصحيح عندنا لا يفطر بل هو معذور لحديث ((رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه))(51).
(مسألة): والرُّعَاف لا يفطر وهو أن ينزل أو يسيل الدم من أنفه، وحتى لو نزل في حلقه دون قصد، أما إذا ابتلع الدم عمداً فإنه يفطر.
ومن المفطرات
(2) الجماع والإنزال عن عمد
قال تعالى: {أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتَانُونَ أَنفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمْ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنْ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنْ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ} البقرة:187.
والرفث ههنا الجماع، فبيَّن سبحانه أن الرَّفث ليلاً جائز والليل شرعاً يبدأ من حين تغرب الشمس وينتهي بطلوع الفجر. والمقصود من الصوم هو تدريب النفس على الطاعات والصبر عن شهوة البطن وشهوة الفرج وعن الشتم والفسق حتى يتعود على ترك الشتم والفسق طوال السنة.
ثم قال تعالى {وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ} البقرة:187.
قال الإمام النووي(52): ((أجمعت الأمة على تحريم الجماع في القبل والدبر على الصائم و(أجمعت) – الأمة - على أن المجامع يَبْطُلُ صومه للآيات الكريمة.. والأحاديث الصحيحة.. وسواء أنزل أم لا فيبطل صومه في الحالين بالإجماع لعموم الآية والأحاديث.
وإذا قَبَّلَ أو باشر فيما دون الفرج أو لمس بشرة امرأة بيده أو غيرها فإن أنزل منياً بطل صومه وإلا فلا)) لما روى أبو داود وغيره عن جابر قال: قال عمر بن الخطاب: هششت فقبلت وأنا صائم، فقلت: يا رسول الله صنعت اليوم أمراً عظيماً، قبَّلت وأنا صائم، قال: ((أرأيت لو مضمضت من الماء وأنت صائم؟!)) قلت: لا بأس به. قال: ((فمه))(53).
قال الشيرازي(54): فشبَّه القبلة بالمضمضة وقد ثبت أنه إذا تمضمض فوصل الماء إلى جوفه أفطر وإن لم يصل لم يُفطر فدلَّ على أن القبلة مثلها(55).
((وذكر صاحب الحاوي وغيره الإجماع على بطلان صوم مَنْ قَبَّلَ أو باشر دون الفرج فأنزل))(56). لكن خالف في ذلك ابن حزم كما في المحلى وحكاه عنه الحافظ في الفتح كما سيأتي بعد أسطر هنا في المسألة التالية.
وعن السيدة عائشة قالت: ((كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يُقَبِّل ويباشر وهو صائم وكان أملككم لإِربْهِ))(57). ومعنى لإربه: أي لحاجته أو لشهوته(58).
(مسألة): لو قَبَّلَ امرأة أو لمسها فأمذى(59) لم يفطر وبه قال الشافعي، وحكاه ابن المنذر عن الحسن البصري والشعبي والأوزاعي وأبي حنيفة وأبي ثور قال: وبه أقول. وقال مالك وأحمد: يفطر(60). دليلنا أنه خارج لا يوجب الغسل فأشبه البول(61). قال الحافظ ابن حجر في ((الفتح)) (4/151): ((واختلف فيما إذا باشر أو قبَّل أو نظر فأنزل أو أمذى، فقال الكوفيون والشافعي: يقضي إذا أنزل في غير النظر ولا قضاء في الإمذاء، وقال مالك وإسحق: يقضي في كل ذلك ويُكَفِّر إلا في الإمذاء فيقضي فقط، واحتج له بأنَّ الإنزال أقصى ما يطلب بالجماع من الالتذاذ في كل ذلك، وتعقب بأن الأحكام علقت بالجماع ولو لم يكن إنزال فافترقا.... وقال ابن قدامة: إن قبَّل فأنزل أفطر بلا خلاف، كذا قال وفيه نظر، فقد حكى ابن حزم أنه لا يفطر ولو أنزل وقوَّى ذلك وذهب إليه)).
(مسألة): إذا استمنى بيده وهو استخراج المني أفطر لأنه أجنب مختاراً متعمداً فكان كالمجامع(62). ولأنه إذا بطل بالوطء بلا إنزال فبالإنزال بمباشرة فيها نوع شهوة أولى(63).
ولأن المقصود من الصوم الامتناع من الشهوات وخاصة شهوة البطن والفرج فإذا أنزل متعمداً بالاستمناء خرق مقصود الصيام فكان مفطراً.
(مسألة): إذا احتلم وهو نائم فلا يفطر بالإجماع لأنه مغلوب و {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} البقرة:286.
(مسألة): قال الإمام النووي(64): ((إذا جامع قبل الفجر ثم نزع مع طلوعه... وأنزل لم يبطل صومه لأنه تولَّد من مباشرة مباحة فلم يجب فيه شيء)).
قلت: بشرط أن لا يكون متلاعباً بأن قصد وعزم على أن يجامع فإذا طلع الفجر نزع لينزل عقيب الفجر فإنه يكون ههنا قاصداً للإنزال بعد طلوع الفجر.
(مسألة): قال الشيخ الحِلِّي في "تذكرة الفقهاء"(65): [ولو نظر إلى ما لا يحل النظر إليه عامداً بشهوة فأمنى، قال الشيخ(66): عليه القضاء. ولو كان نظره إلى ما يحل له النظر إليه فأمنى لم يكن عليه شيء.
ولو أصغى أو تسمَّعَ إلى حديث فأمنى لم يكن عليه شيء عملاً بأصالة البراءة.
وقال الشافعي وأبو حنيفة والثوري: لا يفسد الصوم بالإنزال عقيب النظر مطلقاً لأنه إنزال من غير مباشرة فأشبه الإنزال بالفكر.
وقال أحمد ومالك والحسن البصري وعطاء: يفسد به الصوم مطلقاً، لأنه إنزال بفعل يتلذذ به ويمكن التحرُّز عنه فأشبه الإنزال باللمس...، ولو قلنا بالإفساد بالنظر فلا فرق بين التكرار وعدمه وبه قال مالك، وقال أحمد لا يفسد إلا بالتكرار. ولو فكَّر فأمنى لم يفطر وبه قال الشافعي. وقال أصحاب مالك: يفطر. وتكره القُبْلَةُ للشاب الذي تُحَرِّك القُبْلة شهوته، ولا تكره لمن يملك إرْبه، لأنَّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يقبِّل وهو صائم وكان أملك الناس لإرْبه. ولو أمذى بالتقبيل لم يفطر عند علمائنا وبه قال أبو حنيفة والشافعي وهو مروي عن الحسن والشعبي والأوزاعي.
وقال مالك وأحمد: يفطر] انتهى من "تذكرة الفقهاء" للحِلِّي.
ومن المفطرات
(3) الإغماء والجنون والردة
[لو ارتدَّ عن الإسلام(67) في أثناء الصوم فسد صومه إجماعاً وعليه قضاء ذلك اليوم إذا عاد إلى الإسلام، سواء أسلم في أثناء ذلك اليوم أو بعد انقضائه، وسواء كانت ردته باعتقاد ما يكفر به(68)، أو بشكه فيما يكفر بالشك فيه(69)، أو بالنطق بكلمة الكفر مستهزئاً أو غير مستهزئ.
قال تعالى {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ} التوبة:65- 66.
ولأن الصوم عبادة من شرطها النية، فأبطلتها الردة، كالصلاة والحج، ولأنه عبادة محضة، فنافاها الكفر كالصلاة](70).
ولو أفطر إنسان مسلم في نهار رمضان وكان الصوم واجباً عليه وكان مستحلاً لذلك فهو مُرْتَدٌّ من جملة الكفار.
وروي أن الباقر عليه السلام سئل عن رجل شهد عليه شهود أنه أفطر من شهر رمضان ثلاثة أيام، قال: يُسْأل هل عليك في إفطارك إثم؟ فإن قال لا ؛ كان على الإمام أن يقتله، وإن قال نعم كان على الإمام أن يؤلمه ضرباً(71).
وقال الشيرازي في "المهذب":
[إذا نوى الصوم من الليل ثم أغميَ عليه جميع النهار لم يصح صومه وعليه القضاء، وقال المُزَنِيُّ: يصح صومه كما لو نوى الصوم ثم نام جميع النهار، والدليل على أن الصوم لا يصح أن الصوم نية وترك، ثم لو انفرد الترك عن النية لم يصح فإذا انفردت النية عن الترك لم يصح، وأما النوم فإن أبا سعيد الاصطخري قال: إذا نام جميع النهار لم يصح صومه كما إذا أغميَ عليه جميع النهار، والمذهب أنه يصح صومه إذا نام، والفرق بينه وبين الإغماء أن النائم ثابت العقل لأنه إذا نُبِّهَ انتبه والمغمى عليه بخلافه، ولأن النائم كالمستيقظ ولهذا ولايته ثابتة على ماله بخلاف المغمى عليه](72).
وقد ثبت عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: ((رفع القلم عن ثلاثة: عن الصبي حتى يبلغ، وعن النائم حتى يستيقظ، وعن المجنون حتى يفيق)) وفي رواية: ((وعن المجنون حتى يعقل)) وفي رواية ((وعن المعتوه حتى يعقل))(73). قال سيدي الإمام الشريف المحدث عبدالله ابن الصديق الغماري الحسني رفع الله درجته في كتابه "الابتهاج بتخريج أحاديث المنهاج" ص (130): [تنبيه: نقل عبدالله بن أحمد عن أبيه أنه أنكر الحديث جداً، ونقل الخلال عنه أنه قال: مَنْ زعم أن الخطأ والنسيان مرفوع فقد خالف كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فإنَّ الله أوجب في قتل النفس الخطأ الكفارة.
قلت: هذا غريب من أحمد فإنَّ الحديث صحيح باعتبار طرقه وقد صححه ابن حبان والحاكم، وحسنه النووي في الروضة والأربعين، وليس فيه ما يخالف كتاباً ولا سنةً، إذ المراد من رفع الخطأ والنسيان رفع المؤآخذة بهما كما قال علماء الأصول لا رفع حكمهما كما توهمه، والكمال لله تعالى]. انتهى كلام سيدي عبد الله بن الصديق(74).
ومن المفطرات
(4) الحيض والنفاس
روى مسلم في الصحيح (335) عن معاذة قالت: سألت عائشة فقلت: ما بال الحائض تقضي الصوم ولا تقضي الصلاة؟! فقالت: أحرورية أنت؟! قلت: لست بحرورية! ولكني أسأل! فقالت: كان يصيبنا ذلك فنؤمر بقضاء الصوم ولا نؤمر بقضاء الصلاة.
قال الإمام النووي رحمه الله تعالى(75): ((لا يصح صوم الحائض والنُّفَسَاء ولا يجب عليهما ويحرم عليهما ويجب قضاؤه وهذا كله مجمع عليه، ولو أمسكت لا بنية الصوم لم تأثم وإنما تأثم إذا نوته وإن كان لا ينعقد)).
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الحواشي السفلية والمراجع:
(1) قولنا أو ما في معناهما كأخذ الغذاء بواسطة مادة الجلوكوز بالإبرة في العِرْق والشريان.
(2) رواه الترمذي (788) وقال: هذا حديث حسن صحيح، والنسائي (87) وأبو داود (2366) وابن ماجه (407).
(3) كالبيهقي في "السنن الكبرى" (4/261).
(4) كما في "تاج العروس شرح القاموس" للعلامة الزبيدي الحسيني مادة (جوف) (6/62).
(5) الصقلان هما الجَنْبَان.
(6) كما نص على ذلك الإمام النووي في "شرح المهذب" (6/317) وانظر "شرح فتح القدير" لابن الهمام (2/332و336).
(7) كما ضبطه الحصني في "كفاية الأخيار" (1/205) طبعة دار الفكر، والبقاعي في "فيض الإله المالك" شرح عمدة السالك (1/278) وغيرهما.
(8) رواه عنه عبد الرزاق في "المصنف" (1/170) و (4/208) والطبراني (9/251و314) وقد رواه عن ابن مسعود إبراهيم النخعي، والنخعي لم يلق ابن مسعود وإنما أخذ عن كبار تلامذة ابن مسعود، ولكن إسناده عن ابن مسعود محمول على الاتصال، راجع تحقيق ذلك ص (107) من هذا الكتاب.
(9) علقه البخاري في صحيحه (4/173فتح) في باب الحجامة والقيء للصائم عن ابن عباس، وهو ثابت عن ابن عباس فقد رواه البيهقي في "سننه" (1/116) و (4/261) وابن أبي شيبة (1/52) و (2/308) وذكر أنه مروي عن سيدنا علي رضي الله تعالى عنه أيضاً.
(10) عند أبي يعلى في مسنده (8/75-76و365) وهو حسن على الأقل عندي في مثل هذه الأبواب التي لا يطلب فيها القطع لأن سلمى البكرية روت عن السيدة عائشة والسيدة أم سلمة وقال بما روته سيدنا علي وابن مسعود وابن عباس والأمة متفقة على العمل بهذا.
(11) الجلوكوز أو نحوه في الحقيقة طعام وشراب جاهزان فلا يحتاجان إلى هضم، فالذي يأخذ التغذية من طريق العروق بالإبرة المعروفة يكون قد أراح الجهاز الهضمي من المعدة والبنكرياس والأمعاء من تناول الطعام وهضمه وغير ذلك، لأن الجهاز الهضمي إنما يقوم بعمليات الهضم بأنواعه ونقله من موضع إلى موضع لتجهيز الطعام المفيد الصالح لينقله الدم من الأمعاء إلى كافة خلايا الجسم للتغذية، فإذا أعطي عبر الوريد أو العِرق فقد اختصرنا تلك العمليات الهضمية جميعها وأرسلناه فوراً إلى الدم ليحمله إلى خلايا الجسد.
(12) وهي تصل إلى الجوف والشرع قد عفا عنها لأنه أجاز للصائم أن يغتسل مثلاً ولم يمنعه من ذلك.
(13) ومثل هذا في "فيض الإله المالك" شرح عمدة السالك للبقاعي (1/278).
(14) ورواه البيهقي (4/261) وقال: هذا أصح ما روي في اكتحال النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
(15) قد ضعف هذا الحديث الألباني تقليداً لبعض الحفاظ الذين أعلوه بأن عباد بن منصور لم يروه مباشرة عن عكرمة وإنما رواه عن إبراهيم بن أبي يحيى عن داود بن حصين عن عكرمة، وملخص الأمر عندنا أن إبراهيم بن أبي يحيى شيخ الشافعي ثقة وليس كذاباً كما زعم الألباني في "إرواء غليله" (1/119) وكذا داود بن حصين إنما ضعفوا حديثه عن عكرمة لأن مالكاً رحمه الله تعالى كان يكره عكرمة، فحكم الترمذي بتحسين الحديث هو الصواب والله تعالى أعلم.
(16) حديث حسن. رواه الدارمي في "السنن" (2/26) والبيهقي في "السنن الكبرى" (4/262) وقال عَقِبَهُ: عبد الرحمن هو ابن النعمان بن معبد بن هوذة أبو النعمان، ومعبد بن هوذة الأنصاري هو الذي له هذه الصحبة.
قلت ضعفه بعضهم بعبد الرحمن بن النعمان بن معبد حيث ضعفه ابن معين، لكن قال عنه أبو حاتم: صدوق، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال الحافظ ابن حجر: صدوق ربما غلط، فهذا يقضي عندي بحسن الحديث، وانظر ترجمة الرجل في "تهذيب الكمال" (17/459).
(17) أخرجه ابن ماجه في "السنن" (1678). وقد أورده الألباني في صحيح ابن ماجه (1/280برقم1360) فوهم في تصحيحه لأن الزبيدي الذي في إسناده هو سعيد بن عبد الجبار الحمصي وليس محمد بن الوليد كما حقق ذلك الحافظ ابن حجر في كتاب "النكت الظراف" (12/147) وابن الملقِّن في "البدر المنير"، وسعيد بن عبد الجبار الحمصي هذا كذَّبوه كما في ترجمته في "تهذيب الكمال" (10/522-523).
(18) رواه الترمذي (788) وقال حسن صحيح، وقد تقدم.
(19) "المجموع" شرح المهذب (6/313).
(20) في "المجموع" شرح المهذب (6/320).
(21) ذكره العلامة الحلي في "تذكرة الفقهاء" (6/29)، وعزاه المعلق على الكتاب لكتاب الفقيه والتهذيب والاستبصار والكافي.
(22) المطبوع مع "شرح فتح القدير" (2/344).
(23) الأقبال جمع قُبُل وهو فرج المرأة الذي يحصل فيه الفحص الطبي الذي نتكلَّم عليه.
(24) رواه أبو يعلى في مسنده (3/15برقم1424) وَضَعَّفُوه بعلي بن زيد بن جدعان وقد خالفه حميد وقتادة عن أنس فوقفوه ولم يذكروا فيه إقرار النبي صلى الله عليه وآله وسلم لأبي طلحة.
(25) في "شرح المهذب" (6/314).
(26) قال الحافظ ابن حجر في "فتح الباري" (13/266): ((أخرجه البزار وقال سنده صالح وصححه الحاكم من حديث أبي الدرداء رفعه)). وقال الهيثمي في "مجمع الزوائد" (1/171): رواه البزار والطبراني في الكبير وإسناده حسن ورواه الضياء في "المختارة" (9/522) من قول ابن عباس.
(27) "المجموع شرح المهذب" (6/317).
(28) الذي في "الهداية" المطبوع مع "شرح فتح القدير" لابن الهمام الحنفي (2/333) أن ما كان بمقدار حبة السمسمة إذا كان بين أسنانه متبقياً من الطعام لم يفسد صومه وأما إذا ابتلع سمسمة ولم تكن بين أسنانه أفطر وفسد صومه، ونصُّ الكلام هناك: ((روي عن محمد: أن الصائم إذا ابتلع سمسمة بين أسنانه لا يفسد صومه، ولو أكلها ابتداء يفسد صومه)) وقال في المتن هناك: (وإن أخرجه وأخذه بيده ثم أكله ينبغي أن يفسد صومه). هذا مذهب الحنفية في المسألة، والله تعالى أعلم.
(29) "المجموع شرح المهذب" (6/317) للإمام النووي رحمه الله تعالى.
(30) قال ابن حزم في "مراتب الإجماع" ص (40): ((واتفقوا على أن الريق ما لم يفارق الفم لا يفطر)).
(31) "المجموع" (6/318).
(32) كما ذكر ذلك عنه الإمام النووي في "المجموع شرح المهذب" (6/318).
(33) رواه أحمد في "المسند" (6/123) وأبو داود (2386).
(34) نقله العلامة الحسن بن يوسف الحلي في "تذكرة الفقهاء" (6/23)، وعزاه المعلق عليه للكافي (4/115) والتهذيب (4/ 323/995).
(35) "المجموع" (6/319) وحكم النووي بشذوذ هذا القول والصحيح عندنا أنه ليس بشاذ بل هو الصحيح.
(36) وقال تعالى: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنزِيرِ} المائدة:3، وقال تعالى {إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ} النحل:15.
(37) رواه بألفاظ متقاربة من حديث سيدنا علي الطبراني في "الأوسط" (2/57). ومن حديث أبي هريرة البخاري (887) ومسلم (252) بألفاظ متقاربة.
(38) رواه البخاري (888).
(39) رواه البخاري (889) من حديث سيدنا حذيفة.
(40) علَّقه البخاري في صحيحه في كتاب "الصيام"، وقد رواه مُسنداً الدارمي (681) والنسائي (5) وابن ماجه (289).
(41) هي عقد ظهور الأصابع.
(42) معنى قحراً: أي: مصفرَّة أسنانكم من شدة الخلوف، والبخر بفتحتين نتن رائحة الفم.
(43) حديث ضعيف رواه الحكيم الترمذي (1/185) عن عبد الله بن بسر المازني، قال المناوي في "فيض القدير" (4/518): ((قال الحافظ ابن حجر فيه راوٍ مجهول...)).
(44) رواه البخاري (1894) ومسلم (2/807).
(45) هكذا في "شرح النسائي" للسيوطي (4/161) وفي الفتح بدل لفظ (الحوادث): (الحيوان).
(46) وذكر الترمذي هناك أن البخاري قال: ((لا أراه محفوظاً)). ثم قال: ((وقد رويَ هذا الحديث من غير وجهٍ عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ولا يصح إسناده)).
(47) هو العلامة الحسن بن يوسف بن المطهر توفي سنة (726هـ).
(48) ذكره البخاري في صحيحه معلقاً (4/153) ووصله ابن أبي شيبة (2/304). ومن الغريب العجيب أن سليماً الهلالي وعلياً الحلبي ذكرا في كتابهما (صفة صوم النبي صلى الله عليه وآله وسلم ص 55 من الطبعة السابعة سنة 2000م) هذا الأثر بلفظ (لا بأس أن يذوق الخل أو الشيء ما لم يدخل حلقه وهو صائم) وعزياه للبخاري معلقاً ولابن أبي شيبة والبيهقي في السنن!! فهو بهذا اللفظ لم يذكره البخاري في صحيحه ولا البيهقي في "السنن" وإنما ذكره ابن أبي شيبة في "المصنف" (3/152)، قال الحافظ ابن حجر في تغليق التعليق (3/152) عقبه: (جابر هو الجعفي متروك).
والمذكوران ذكرا أن هذا الأثر حسن!! مع أنه غير حسن ففي سنده متروك وشيخهما المتناقض يقول في ضعيفته (3/167) عن حديث الرجل الموصوف بأنه (سيئ الحفظ) إن [حديثه من قسم المردود كما هو مقرر في المصطلح] فما بالك بالمتروك! فليستيقظا!!
(49) كان العلماء من الصحابة ومن بعدهم إذا كان هناك فعل يرونه مفطراً للصائم يفعلونه ليلاً وقت الإفطار كالحجامة مثلاً عند من يقول بأنها تفطر الصائم، ففي البخاري (فتح 4/173) في (باب الحجامة والقيء للصائم): [وكان ابن عمر رضي الله عنهما يحتجم وهو صائم ثم تركه فكان يحتجم بالليل، واحتجم أبو موسى ليلاً]. وعليه فينبغي للمسلمين اليوم أن يراعوا ذلك وأن يفتح الأطباء ومنهم أطباء الأسنان ليلاً للضرورة لمن ألمَّ به شيء والله الموفق والهادي.
(50) رواه البخاري (1938).
(51) رواه ابن حبان في الصحيح (16/202) من حديث ابن عباس، والحاكم في "المستدرك" (2/198) وابن ماجه (2045) وغيرهم. وهو حديث صحيح.
(52) رحمه الله تعالى في "المجموع شرح المهذب" (6/321).
(53) رواه الدارمي (1661) وأبو داود (2385) وأحمد في المسند (1/21و52) قال الحافظ في "الفتح" (4/152): ((أخرجه أبو داود والنسائي من حديث عمر، قال النسائي: منكر، وصححه ابن خزيمة وابن حبان والحاكم)) لكن لم أجد ذلك في سنن النسائي الكبرى أعني وصفه بالنكارة.
(54) رحمه الله تعالى في المهذب، انظر "المجموع" للإمام النووي (6/321).
(55) ومثل هذا أيضاً ذكره الحافظ ابن حجر في "الفتح" (4/152) نقلاً عن المازري.
(56) انظر "المجموع" للنووي (6/322) وهو في الحاوي للماوردي (3/438).
(57) رواه البخاري في الصحيح (1927)، ومسلم (1106).
(58) انظر فتح الباري (4/151).
(59) انتبه هنا لم يقل فأمنى بل قال فأمذى، والمذي هو الماء اللزج الخارج في حالة ثوران الشهوة.
(60) لأنه عنده خارج تخلله شهوة فإذا انضم إلى المباشرة أفطر به كالمني، انظر مغني الحنابلة (3/47).
(61) هذا كلام النووي في "المجموع" (6/323) ومثله الحلي في "تذكرة الفقهاء" (6/45).
(62) هكذا قال الحلي في "تذكرة الفقهاء" (6/44).
(63) هكذا قال الشيخ زكريا الأنصاري في شرح بهجة ابن الوردي (2/211).
(64) في "المجموع شرح المهذب" (6/322).
(65) التذكرة (6/24).
(66) عزاه المحقق في الحاشية للطوسي في المبسوط (1/272).
(67) كمن يسب الدين أو الرب أو نبي من الأنبياء أو نحو ذلك والعياذ بالله تعالى.
(68) كمن اعتقد أن له سبحانه شريكاً أو ولداً أو أنه جسم أو شَبَّهَهُ بشيء من خلقه تعالى الله سبحانه.
(69) كمن شك هل له ولد أم لا؟ أو أنه هل هو في مكان أم لا؟ إذ يجب القطع بتنزيهه سبحانه عن الولد والمكان.
(70) هذا كلام العلامة الحلي منقولاً من كتابه "تذكرة الفقهاء" (6/81).
(71) نقل هذا الحلي في "تذكرة الفقهاء" (6/87) وعزاه للكافي والفقيه والتهذيب.
(72) "المجموع شرح المهذب" (6/345).
(73) صحيح. رواه أحمد في المسند (6/100) والبخاري في صحيحه معلقاً (9/388) و (12/120فتح) من حديث سيدنا علي عليه السلام ، رويَ مرفوعاً من حديث سيدنا علي والسيدة عائشة وأبي هريرة، وأخرجه النَّسائي (6/156) وأبو داود (4/140) والترمذي (4/32) وابن خزيمة (2/102) وابن حبان (1/178) وغيرهم.
(74) وقد ذكرت في كتابي "صحيح شرح العقيدة الطحاوية" ص (80-81) أدلة أخرى صحيحة من القرآن والسنة تثبت معنى حديث ((رفع عن أمتي النسيان والخطأ وما استكرهوا عليه)).
(75) في "المجموع شرح المهذب" (6/257).