.
بيان بطلان حديث أن النبي صلى الله عليه وآله قال لجابر بن عبد الله لما استشهد أبوه: (مَا كَلَّمَ اللَّهُ أَحَدًا قَطُّ إِلَّا مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ وَأَحْيَا أَبَاكَ فَكَلَّمَهُ كِفَاحًا)
(كفاحاً) لفظة منكرة جداً تحكم على الحديث بالبطلان وإليكم ذلك:
--------------
نص الحديث:
قال الترمذي في السنن (3010):
[حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَبِيبِ بْنِ عَرَبِيٍّ حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ كَثِيرٍ الْأَنْصَارِيُّ قَال: سَمِعْتُ طَلْحَةَ بْنَ خِرَاشٍ، قَال سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ: لَقِيَنِي رَسُولُ اللَّهِ F فَقَالَ لِي: ((يَا جَابِرُ مَا لِي أَرَاكَ مُنْكَسِرًا؟)) قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ اسْتُشْهِدَ أَبِي قُتِلَ يَوْمَ أُحُدٍ وَتَرَكَ عِيَالًا وَدَيْنًا قَالَ: ((أَفَلَا أُبَشِّرُكَ بِمَا لَقِيَ اللَّهُ بِهِ أَبَاكَ؟)) قَالَ: قُلْتُ: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: ((مَا كَلَّمَ اللَّهُ أَحَدًا قَطُّ إِلَّا مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ وَأَحْيَا أَبَاكَ فَكَلَّمَهُ كِفَاحــــــــــــــــــــــــاً فَقَالَ: يَا عَبْدِي تَمَنَّ عَلَيَّ أُعْطِكَ قَالَ يَا رَبِّ تُحْيِينِي فَأُقْتَلَ فِيكَ ثَانِيَةً قَالَ الرَّبُّ عَزَّ وَجَلَّ إِنَّهُ قَدْ سَبَقَ مِنِّي أَنَّهُمْ إِلَيْهَا لَا يُرْجَعُونَ)) قَالَ وَأُنْزِلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: {وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا..} الْآيَةَ قَالَ أَبُو عِيسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ].
وفي رواية ابن حبان من نفس الطريق:
[ما كلم الله أحداً قط إلا من وراء حجاب، وإن الله أحيـــــــــــــــــــــا أباك فكلمه كفاحــــــــــــــــــــــاً، فقال: يا عبدي، تمن أعطك، قال: تحييني فأُقتلَ قتلة ثانية، قال الله: إني قضيت أنهم لا يرجعون].
ومعنى كفاحاً: أي مواجهة ليس بينهما حجاب ولا رسول.
وأما رواية أحمد (3/361) وغيره من طريق ابن عقيل عن جابر فليس فيها لفظة (كفاحــــــــــــاً) وهي أقوى إسناداً إلا أن الكل ضعيف، وتزيد رواية (كفاحــــــــاً) أنها منكرة لأن بعض رواتها موصوف بأن أحاديثه منكرة كما سيأتي، ورواية ابن عقيل هي ما في :مسند أحمد" قال:
[حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْمَدِينِيُّ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ رَبِيعَةَ السُّلَمِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَقِيلٍ عَنْ جَابِرٍ قَالَ قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَا جَابِرُ أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ أَحْيَا أَبَاكَ فَقَالَ لَهُ تَمَنَّ عَلَيَّ فَقَالَ أُرَدُّ إِلَى الدُّنْيَا فَأُقْتَلُ مَرَّةً أُخْرَى فَقَالَ إِنِّي قَضَيْتُ الْحُكْمَ أَنَّهُمْ إِلَيْهَا لَا يُرْجَعُونَ].
أقول: هذا الحديث لا يصح من ناحية الإسناد وهو باطل من جهة المتن، وسأبين عدم صحته سنداً ثم أبين بطلانه متناً، فأقول وبالله تعالى التوفيق:
بيان عدم صحته من ناحية الإسناد:
---------------------------------
1- أما الراوي (موسى بن إبراهيم بن كثير) فهو مقل وكان يخطئ:
قال الحافظ البوصيري في "مصباح الزجاجة" (1/28/برقم68) عند تخريج هذا الحديث الذي فيه لفظة (كفاحاً):
[هذا إسناد ضعيف، طلحة بن خراش قال فيه الأزدي: (روى عن جابر مناكير). وذكره الذهبي في "الميزان"، وموسى بن إبراهيم. قال فيه ابن حبان في "الثقات": يخطئ].
وقال ابن حبان في "الثقات" (7/449) في ترجمة موسى بن إبراهيم: [كان ممن يخطئ].
ولم ينص أحد على توثيقه إلا أن ابن حبان ذكره في كتاب الثقات وجرحه!!
وقد ضعف له الترمذي حديثين آخرين في سننه وهما برقم (3383) و (3858).
2- وأما شيخه (طلحة بن خراش) فهو صاحب مناكير وكان يُغْرِب:
قال الذهبي "الميزان" (2/338/برقم3997): [قال الأزدي: له ما ينكر. وقال النسائي: صالح].
وأقول: إن حديث الصالح لا يحتج به.
وقال ابن حبان في "مشاهير علماء الأمصار" (557): [كان يُغْرِب عن جابر بن عبد الله].
فمن كان يغرب وله ما ينكَر وانفرد وخالف الثقات رُدَّ حديثه لا سيما وهو مخالف لما هو مذكور في كتاب الله تعالى.
ورواه الحاكم في "المستدرك" (3/203) من حديث السيدة عائشة وصححه وفي السند رجل كذاب وليس فيه لفظ (كفاحاً) فقال:
[حدثني أبو بكر محمد بن أحمد بن بالويه، ثنا أحمد بن علي الخزاز، ثنا فيض بن وثيق، ثنا أبو عمارة الأنصاري، أخبرني ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله F لجابر: ((يا جابر، ألا أبشرك؟)) قال: بلى، بشرني بشرك الله بالخير، قال: ((أشعرت أن الله عز وجل أحيا أباك فأقعده بين يديه، فقال: تَمَنَّ عليَّ عبدي ما شئت أعطيكه، فقال: يا رب، ما عبدتك حق عبادتك، أتمنى أن تردني إلى الدنيا، فأقتل مع النبيF مرة أخرى، فقال: سبق مني إنك إليها لا ترجع].
إسناد الحاكم هذا فيه كذَّاب وهو فيض بن وثيق لم يذكره ابن القيم في "حادي الأرواح" لأنه يهدم استدلاله بهذا الحديث التالف!!
وقد تعقَّب الذهبيٌّ الحاكمَ في " المستدرك" (3/203) فقال: [فيض كذاب]. وقال يحيى بن معين: [كذاب خبيث] انظر "لسان الميزان" (4/532 دار الفكر).
وأما الكلام عليه من ناحية المتن فنقول:
--------------------------------------
1- هذا الحديث يعارض قول الله تعالى: {وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ} الشورى:51، وهذا الحديث مع ضعف إسناده ونكارته يستثني صحابياً من ذلك ليس رسولاً ولا نبياً.
2- سيدنا موسى عليه السلام طلب الرؤية وهو رسول نبي من أولي العزم فقال الله تعالى له {لن تراني}، وعبد الله بن عمرو بن حرام ليس بأفضل من سيدنا موسى عليه السلام.
3- فإذا كان الله تعالى قد قضى أنهم إليها لا يرجعون فأيضاً قضى أنه {وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ} فلماذا خُرِقَ القانون في ناحية ولم يخرق في ناحية أخرى؟!
4- قضى وقرر الله تعالى في كتابه الكريم أن (الشهداء أحياء عند ربهم يُرْزقون) وهذا الحديث فيه أن الله أحيا عبد الله بن عمرو بن حرام! فكيف يكونون أحياء وأحياه الله تعالى؟!
5- الله تعالى ليس جسماً ولا شخصاً حتى يقابل ويكافح العباد وجهاً لوجه.
قال ابن منظور في "لسان العرب" (2/573): [وكافَحَه مُكافَحة وكِفاحاً: لقيه مواجهة. ولقيه كَفْحاً ومكافَحةً وكِفاحاً: أَي مواجهة]. أي وجهاً لوجه، والله تعالى ليس كذلك إذ {ليس كمثله شيء} {ولم يكن له كفواً أحد} {ولا يحيطون به علماً}.
وبذا ظهر أن الحديث لا يثبت من ناحية إسناده ومتنه ولا يصح الاستدلال به بحال.
ويظهر لكم من ههنا كيف أن بعض الوعاظ والقصصيين يذكرون هذا الحديث متبجحين به في مقاطع النت فرحين به، ويظنون أنهم أتوا الناس بالفوائد المشوّقة الثابتة أو المُسَلَّمة التي لا جدل فيها، وبالعلوم النافعة والأحاديث الصحيحة وهي في الحقيقة خرافات يلوكونها بألسنتهم ويلقونها على العامة دون تدبر أو تأمل!!
والله تعالى يقول الحق وهو يهدي السبيل
منقول من صفحة حسن بن علي السقاف على الفيسبوك
بيان بطلان حديث: (مَا كَلَّمَ اللَّهُ أَحَدًا قَطُّ إِلَّا مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ وَأَحْيَا أَبَاكَ فَكَلَّمَهُ كِفَاحًا)
-
الباحث المفكر
- مشاركات: 251
- اشترك في: الأربعاء سبتمبر 03, 2025 8:02 pm
