.
تفنيد بعض أدلة العلو الحسي لله تعالى الذي يهذرم بها بعض المجسمة المتمسلفين:
قال أحد المتمسلفين وهو يعرض عقيدته غير الصحيحة:
[بعض غلاة الأشاعرة يريدوننا أن نترك تقريرات الإمام البخاري رحمه الله تعالى ، ونأخذ بتقريرات أرسطو وأفلاطون .
كما في مسالة علو الله تعالى على خلقه.
فهي محل إجماع عند السلف بل عند جميع أصحاب الفطر السليمة، لم يخالف في ذلك إلا الجهمية ومن سلك مناهجهم .
قال البخاري في "خلق أفعال العباد" ص(42):
1) وَقَالَ: جُبَيْرُ بْنُ مُطْعِمٍ، عَنِ النَّبيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ اللَّهَ عَلَى عَرْشِهِ فَوْقَ سَمَاوَاتِهِ، وَسَمَاوَاتُهُ فَوْقَ أَرَاضِيهِ مِثْلُ الْقُبَّةِ.
2) وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ، فِي قَوْلِهِ: {ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ}. قَالَ: «الْعَرْشُ عَلَى الْمَاءِ، وَاللَّهُ فَوْقَ الْعَرْشِ، وَهُوَ يَعْلَمُ مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ.
3) وَقَالَ قَتَادَةُ، فِي قَوْلِهِ: {وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ} قَالَ: «يُعْبَدُ فِي السَّمَاءِ، وَيُعْبَدُ فِي الْأَرْضِ...)).
وأنا أسأل الذين يقولون انه تعالى لا فوق العالم ولا تحته ولا خارجه ولا داخله، من سلفكم بهذه المقولة؟
نريد إماما واحدا من أئمة السلف صرح بذلك حتى نأخذ بقولكم ؟].
وأقول في تزييف هذه الاستدلالات الفاسدة:
1- أما كتاب "خلق أفعال العباد" المنسوب للبخاري ففيه الصحيح وفيه الضعيف والموضوع، وهذه النصوص التي ساقها هذا الكاتب جميعها لا يصح الاستدلال بها! وهي مسوقة في كتاب "خلق أفعال العباد" بلا إسناد فلا قيمة لها! إذ لولا الإسناد لقال ما شاء ما شاء!
ونحن نعلم أنها مذكورة في كتب أخرى وعليها كلام طويل سأذكر بعضه إن شاء الله تعالى ليتبين أن تطاول هذا الكاتب على منزهي العلماء الأشاعرة تطاول باطل لا قيمة له.
2- نعتقد أن كتاب "خلق أفعال العباد" المنسوب للبخاري والذي ذكر نسبته إليه جماعة من العلماء تم التلاعب والدس فيه لأن فيه نصوصاً تالفة وضعيفة وواهية وموضوعات وأقوال جماعة تروى عنهم بأسانيد لا تصح، وهذا لا يليق بالبخاري صاحب الصحيح.
وللمجسمة اليد الطولى في دس الأقوال والتلاعب بالكتب والمؤلفات وعلى ذلك براهين عديدة.
وقد قال البخاري رحمه الله تعالى بأن لفظه بالقرآن المخلوق ولذا تركه أبو حاتم وابنه وأبو زُرعة الرازيون وكذلك محمد بن يحيى الذهلي كما هو مدون في ترجمة البخاري في كتاب "الجرح والتعديل" (7/191) فليراجعه المنصفون لا المتعصبون المتعامون عن الحقائق، المجادلون بالباطل!
3- ولو صح أن هذه النقول مما أثبتها البخاري فليس في ذلك حجة لأن هذه الأقوال إما أنها لم تصح وإما أنه لا دلالة فيها على العلو الحسي المكاني الذي يعتقده المجسمة.
4- أما النص الأول الذي أورده المجسم وهو قوله:
[وَقَالَ: جُبَيْرُ بْنُ مُطْعِمٍ، عَنِ النَّبيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ اللَّهَ عَلَى عَرْشِهِ فَوْقَ سَمَاوَاتِهِ، وَسَمَاوَاتُهُ فَوْقَ أَرَاضِيهِ مِثْلُ الْقُبَّةِ].
فأقول في الجواب عنه:
هذا حديث واهي الإسناد موضوع المتن. في إسناده من هو ضعيف أو مجهول كما بينا في التعليق على كتاب العلو للذهبي، رواه أبو داود (4/232/4726) والطبراني في "الكبير" (2/129/1547) والبغوي في "شرح السنة" (1/176/92) وهو حديث منكر ضعيف جداً. واعترف بضعفه متناقض عصرنا الألباني !! في "ضعيف أبي داود" ص (470).
وهذا هو حديث الأطيط المشهور وهو من جملة الخرافات والموضوعات.
وللحافظ ابن عساكر جزء حديثي خاص في تتبع الأحاديث التي ورد فيها ذِكْر الأطيط بيَّن أنه لم يصح منها شيء، واسم كتاب الحافظ ابن عساكر: (تبيان الوهم والتخليط فيما أخرجه أبو داود من حديث الأطيط) وهو مخطوط، انظر مقدمة "تبيين كذب المفتري" للإمام الكوثري ص (4).
وقال الذهبي عقب إيراده لحديث (القبة) ولأطيط) هذا في "العلو":
[هذا حديث غريب جداً فرد، وابن إسحاق حجة في المغازي إذا أسند وله مناكير وعجائب فالله أعلم أقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم هذا أم لا، والله فليس كمثله شيء. والأطيط الواقع بذات العرش من جنس الأطيط الحاصل في الرَّحْل فذاك صفة للرَّحْل وللعرش ومعاذ الله أن نَعُدَّه صفة لله عزَّ وجل، ثمَّ لفظ الأطيط لم يأت به نص ثابت].
فهنيئاً لهذا الكاتب بهذا الدليل!
5- وأما دليله الخارق الثاني فهو قوله هناك:
[وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ، فِي قَوْلِهِ: {ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ}. قَالَ: «الْعَرْشُ عَلَى الْمَاءِ، وَاللَّهُ فَوْقَ الْعَرْشِ، وَهُوَ يَعْلَمُ مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ].
وأقول في الجواب عنه:
التحقيق أن هذا من جملة المروي عن عبد الله بن عمرو بن العاص وليس عن عبد الله بن مسعود! وعبد الله بن عمرو كان من أكبر رواة الإسرائيليات كما نص على ذلك الحفاظ هو معلوم ومعروف، وهو صاحب الزاملتين.
و (زر) الراوي لهذا الأثر عن عبد الله قال: [عن عبد الله] ولم يذكر في الرواية المنسوبة لابن مسعود أنه عبد الله بن مسعود، و(زر) من الرواة أيضاً عن عبد الله بن عمرو بن العاص. وقد رواه البيهقي في "الأسماء والصفات" في إحدى روايات هذا الأثر عن عبد الله بن عمرو بن العاص.
وهذه هي علته الخفية الحقيقية!
قال الحافظ ابن حجر في كتاب "النكت على كتاب ابن الصلاح" (2/532) شارحاً قول الحافظ ابن الصلاح (إذا كان الصحابي ينظر في الإسرائيليات فلا يُعطى تفسيره حكم الرفع) ما نصه:
[وكعبدالله بن عمرو بن العاص، فإنه كان حصل له في وقعة اليرموك كتب كثيرة من كتب أهل الكتاب فكان يخبر بما فيها من الأمور المغيبة...].
فهذا الأثر موقوف، والموقوف لا حجة فيه، وهو موضوع على ابن مسعود، والتحقيق أن هذا من جملة الإسرائيليات المروية عن ابن عمرو بن العاص وليس عن ابن مسعود رضي الله عنه. رواه البيهقي في "الأسماء والصفات" ص (401) وابن خزيمة في توحيده (105-106) والطبراني في "المعجم الكبير" (9/228/ 8987) والحافظ ابن عبد البر في "التمهيد" (7/139). وأبو الشيخ في "العظمة" (2/565)، والخطيب في "موضح الأوهام" (2/14)، وابن زمنين في "أصول السنة" (برقم 39)، وأسانيده ضعيفة وبعضها تالف، وفي أسانيده اضطراب كبير يعلم ذلك من ينظر فيها ويتتبعها، وسبب ذلك عاصم ابن أبي النجود الذي في إسناده.
قال الذهبي في "مَنْ تُكُلِّمَ فيهِ وهو مُوَثَّق" برقم (171):
[عاصم بن أبي النجود القارئ صدوق، قال الدارقطني: في حفظه شيء]. وقال المزي في "تهذيب الكمال" (13/476):
[قال ابن سعد: .. وكان ثقة إلا أنه كان كثير الخطأ في حديثه، وقال يعقوب بن سفيان: في حديثه اضطراب وهو ثقة... وقال ابن أبي حاتم: سألت أبا زُرْعَة عنه فقال: ثقة. فذكرته لأبي فقال: ليس محله هذا أن يقال إنه ثقة، وقد تكلَّم فيه ابن عُلَيّة فقال: كأنِّ كلَّ من كان اسمه عاصم سيء الحفظ، قال: وذكره أبي فقال: محله عندي محل الصدق صالح الحديث ولم يكن بذاك الحافظ.. وقال النسائي: ليس به بأس، وقال ابن خراش: في حديثه نكرة. وقال أبو جعفر العُقَيلي: لم يكن فيه إلا سوء الحفظ. وقال الدارقطني: في حفظه شيء].
وفي إسناده أيضاً: حماد بن سلمة ولا يُقْبَلُ خبرُه في مثل هذه الأمور، وقد بينا ذلك مفصلاً في عدة مواضع في كتبنا، ومنها تعليقاتنا القديمة والجديدة على كتاب "العلو" للذهبي.
ومنطق هذا من الإسرائيليات الجلية الواضحة!
وملخص القول في هذا الأثر: أنَّ إسناده ضعيف أو واه، وهو موقوف وليس مرفوعاً، ومنطقه إسرائيلي، فالاستدلال به في العقائد باطل والسلام.
6- ثم قال هذا الكاتب ناقلاً بلا وعي:
[3) وَقَالَ قَتَادَةُ، فِي قَوْلِهِ: {وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ} قَالَ: «يُعْبَدُ فِي السَّمَاءِ، وَيُعْبَدُ فِي الْأَرْضِ...))].
وأقول في الجواب عنه:
قول قتادة هذا ليس فيه أن الله في السماء!
كما أنه ليس فيه أنه فوق العرش كما تزعم المجسمة!
وقتادة (61-118هـ) رضي الله عنه لا يقول بالجهة والتجسيم وكان (قدرياً) أي معتزلياً منزهاً رضي الله عنه وأرضاه!!
وهو من أئمة السنن والآثار، وكان قدرياً، وله في الكتب الثمانية وهي الستة ومسند أحمد والدارمي (3042) رواية:
قال أحمد بن حنبل: [كان قتادة (بن دعامة ع توفي 61-118هـ) وسعيد بن أبي عروبة (ع توفي 156هـ) يقولان بالقَدَر ويكتمانه].
وأقول: بل لا يكتمانه. ولكن كثيراً من المحدِّثين اضطروا للرواية عنهما وادَّعوا بأنَّهما وأمثالهما كانا يكتمانه ليسوِّغوا الرواية عنهم، وإذا كانا يكتمانه في قلوبهم فكيف عَرَفه أحمدُ وهؤلاء؟! بل (كان قتادة يصيح به صياحاً).
قال الذهبي في "تاريخ الإسلام" (7/455تدمري):
[قتادة بن دعامة (ع) ابن قتادة بن عزيز.. أَبُو الْخَطَّاب السَّدُوسي الْبَصْرِيّ الأعمى الحافظ، أحد الأئمّة الأعلام.... وقَالَ ابن شَوْذَب: ما كَانَ قَتَادةُ يرضى حتى يصيح بِهِ صياحاً، يعني القَدَر].
وقتادة من أئمة السلف قال الحافظ ابن حجر في "تهذيب التهذيب" (8/315) في ترجمته:
[روى عن أنس بن مالك، و عبدالله بن سرجس، وأبي الطفيل، وصفية بنت شيبة، وأرسل عن سفينة، وأبي سعيد الخدري، وسنان بن سلمة بن المُحَبَّق، وعمران بن حصين، وروى عن سعيد بن المسيب، وعكرمة، وأبي الشعثاء جابر بن زيد، وحميد بن عبدالرحمن بن عوف، والحسن البصري، ومحمد بن سيرين].
والقدري هو المعتزلي والجهمي ومن أدلة ذلك:
ما جاء في ترجمة عبد الله بن أبي نجيح المكي (ت131هـ) (ع) وهو من رجال الكتب الستة وهو قدري أيضاً:
قال الذهبي في "سير أعلام النبلاء" (6/125):
[عَبْدُ اللهِ بنُ أَبِي نَجِيْحٍ يَسَارٍ أَبُو يَسَارٍ الثَّقَفِيُّ * (ع)
الإِمَامُ، الثِّقَةُ، المُفَسِّرُ، أَبُو يَسَارٍ الثَّقَفِيُّ، المَكِّيُّ. وَاسْمُ أَبِيْهِ: يَسَارٌ، مَوْلَى الأَخْنَسِ بنِ شُرَيْقٍ الصَّحَابِيِّ.
حَدَّثَ عَنْ: مُجَاهِدٍ، وَطَاوُوْسٍ، وَعَطَاءٍ، وَنَحْوِهِم... حَدَّثَ عَنْهُ: شُعْبَةُ، وَالثَّوْرِيُّ، وَعَبْدُ الوَارِثِ، وَسُفْيَانُ بنُ عُيَيْنَةَ، وَابْنُ عُلَيَّةَ، وَآخَرُوْنَ. وَثَّقَهُ يَحْيَى بنُ مَعِيْنٍ، وَغَيْرُهُ، إِلاَّ أَنَّهُ دَخَلَ فِي القَدَرِ. قَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ: هُوَ مُفْتِي أَهْلِ مَكَّةَ بَعْدَ عَمْرِو بنِ دِيْنَارٍ... وَقَالَ يَحْيَى بنُ القَطَّانِ: كَانَ مُعْتَــــــــــــــــــــــزِلِياً. وَقَالَ يَعْقُوْبُ السَّدُوْسِيُّ: هُوَ ثِقَةٌ، قَدَرِيٌّ.
قَالَ البُخَارِيُّ: حَدَّثَنَا الفَضْلُ بنُ مُقَاتِلٍ، حَدَّثَنَا عُمَرُ بنُ إِبْرَاهِيْمَ بنِ كَيْسَانَ، قَالَ: مَكَثَ ابْنُ أَبِي نَجِيْحٍ ثَلاَثِيْنَ سَنَةً لاَ يَتَكَلَّمُ بِكَلِمَةٍ يُؤذِي بِهَا جَلِيْسَه ...... وَقَالَ عَلِيٌّ: سَمِعْتُ يَحْيَى بنَ سَعِيْدٍ يَقُوْلُ: كَانَ ابْنُ أَبِي نَجِيْحٍ مِنْ رُؤُوْسِ الدُّعَاةِ. قَالَ عَلِيٌّ: أَمَّا التَّفْسِيْرُ، فَهُوَ فِيْهِ ثِقَةٌ يَعْلَمُه، قَدْ قَفَزَ القَنطَرَةَ، وَاحْتَجَّ بِهِ أَربَابُ الصِّحَاحِ].
فتبين بذلك أن كثيراً من أئمة السلف والحديث ورواة السنن والآثار كانوا على عقيدة القدر والاعتزال وقد صنفت جزءاً في ذلك تذهب بقراءته خيالات المجسمة عن مذهب السلف وما يروونه من الإجماعات في الاعتقادات عن أئمة الحديث أدراج الرياح!
وأما بقية كلام الكاتب في أرسطو ومرسطو وأفلاطون فلا يحتاج جواباً!
لأن الحجة في كتاب الله وما صح عن رسوله صلى الله عليه وآله وفي العقل السليم، حيث يوافق صريح المعقول صحيح المنقول بأن الله {ليس كمثله شيء} {ولم يكن له كفواً أحد} {ولا يحيطون به علما} فهو سبحانه فوق تصورات المتمسلفين والمجسمة وعقولهم المرتبطة بالزمان والمكان!
وللحق كرة بعد كرة!
والحمد لله أولاً وآخراً
من صفحة حسن بن علي السقاف على الفيسبوك
تفنيد بعض أدلة العلو الحسي لله تعالى الذي يهذرم بها بعض المجسمة المتمسلفين
-
الباحث المفكر
- مشاركات: 189
- اشترك في: الأربعاء سبتمبر 03, 2025 8:02 pm
