وقفة علمية مع الإمام أبي حنيفة النعمان

سير أعلام مرتبطة بالتاريخ والأحداث السياسية الغابرة
أضف رد جديد
الباحث المفكر
مشاركات: 133
اشترك في: الأربعاء سبتمبر 03, 2025 8:02 pm

وقفة علمية مع الإمام أبي حنيفة النعمان

مشاركة بواسطة الباحث المفكر »

.
وقفة علمية مع الإمام أبي حنيفة النعمان

في سبيل العلم:
ما موقفك من أبي حنيفة؟!

بسم الله الرحمن الرحيم
(الحمد لله، وسلام على عباده الذين اصطفى).
أما بعد: تواصل معي قائلا: "هناك إفراط وتفريط في موقف أهل العلم من الإمام أبي حنيفة.
ولا يخفى عليك أن مليار مسلم، يتعبدون الله تعالى بمذهبه وفتواه.
وقد عهدناك على مر السنوات السابقة غير منحاز لجهة ضد جهة، ولا إلى مذهب مقابل مذهب.
فما هو موقفك العلمي من الإمام أبي حنيفة النعمان بكل أمانة"؟ انتهى.

أقول وبالله التوفيق:
هذه مسألة جد شائكة، وقد ناقشتها باستفاضة في كتابي (الإمام ابن حبان ومنهجه في الجرح والتعديل).

وخلاصة موقفي من الإمام أبي حنيفة رضي الله عنه هو الآتي:
أولا: أبو حنيفة رجل شجاع نبيل، وقف مع الإمام زيد بن علي بن الحسين، عليهم السلام ضد ظلم الأمويين وأثرتهم.

ثانيا: أبو حنيفة رجل صالح تقي، كتب الله له القبول بين عباده الصالحين.
ولي شخصيا معه علاقة روحية خاصة دامت تسع سنين، في بغداد المحروسة.

ثالثا: الشائع أن أبا حنيفة يقدم القياس الجلي على خبر الواحد.
وبالتتبع لكتابي (الأصل) و(الرد على أهل المدينة) وجدت أبا حنيفة أثريا، يحتج بقول ابن مسعود كما يحتج بقول الرسول صلى الله عليه وآله وسلم.
ويحتج بقول إبراهيم النخعي، مثل احتجاجه بقول عبدالله بن مسعود.
فهو لا يحتج بالمنقطع والمعضل والمرسل والبلاغ، إذا كان الراوي في الحلقة الأولى ثقة فحسب، بل يحتج بقول التابعي الفقيه ويفرع عليه.

رابعا: قرأت أنا الفقير ما طبع من كتب الحنفية المتقدمة حتى عصر الإمام الدبوسي كاملة في حدود علمي، وقرأت مجلدات كثيرة للمتأخرين.
فما وجدت أوضح في تعيين مذهب أبي حنيفة من موطأ مالك برواية محمد بن الحسن، وأنا أعد هذا الكتاب مع (الأصل) أصل مذهب أبي حنيفة ومنبعه.
ولم يظهر لي كبير تميز فقهي للإمام أبي حنيفة رحمه الله تعالى.
وأنا أحفظ جميع الإطراءات المنقبية، التي يصعب حصرها فيه، ولا أعيرها اهتماما.

خامسا: الإمام أبو حنيفة محدث كبير، روى عن أكثر من (١٠٠) شيخ، وروى عنه كثيرون (انظر ترجمته في تهذيب الكمال).
بيد أن منهج المحدثين في قبول الحديث؛ يختلف كثيرا عن منهج الفقهاء، خاصة بعد الإمام الشافعي، الذي اشترط اتصال السند وثقة جميع رواته.
وقد كان الإمام أبو حنيفة يثق بثلاثة محدثين: مالك وسفيان الثوري وشعبة.

فكان إذا وقف على تصحيح واحد من هؤلاء لحديث؛ اعتمده وفرع عليه.
وهو في نفسه عدل صالح ورع ذكي جدا.
وأنا أرفض مقولة (ضعيف الحفظ) إنما هو لم يكن يهتم بقوانين الرواية عند المحدثين.

والمحدثون ضعفوه لثلاثة أمور:
الأمر الأول والأهم: أنه كان يرى جواز الخروج على الظلمة الحكام، ويرى آل بيت الرسول أولى بقيادة الأمة من غيرهم!
(وهذا خلاف مذهب أتباعه).
وكان يصفونه بأنه (يرى السيف على أمة محمد).

والأمر الثاني: أن قول أبي حنيفة في مسألة خلق القرآن أقرب إلى رأي المعتزلة.

ولهذا يقول ملا علي القاري الماتريدي الحنفي: الخلاف بيننا وبين المعتزلة في مسألة خلق القرآن لفظي.
ومن أجل هذا كان سفيان الثوري يقول: (استتبنا أبا حنيفة من الكفر مرتين) وللأسف!
والحق مع أبي حنيفة رحمه الله تعالى.

والأمر الثالث: أن لأبي حنيفة موقفا خاصا من حديث الآحاد من جهتين:
الأولى: من جهة تصحيح نسبة الحديث إلى الرسول صلى الله عليه وآله وسلم.
فهو توقف في صحة صدور قرابة (٢٠٠) حديث جمعها أبو بكر ابن أبي شيبة مصنفه، وادعى أن أبا حنيفة خالف سنة الرسول فيها.
والجهة الثانية: مرتبة الحكم الشرعي الذي يبنيه على حديث الآحاد، إذ هو لا يبني الفرض والواجب عليه، على تفاوت مراتبه، إنما ينبي على ما يصححه منه ما دون ذلك.

سادسا: شاهدت إحدى القنوات الفضائية، يقول صاحبها: إن الفصل الذي عقده الخطيب البغدادي في تاريخ بغداد مدسوس، وهذا كلام باطل، صدر عمن صدر!
لكنه يندرج ضمن الصراع الفكري المحتدم بين أهل الرأي وأهل الحديث.

وما سطره ابن حبان في المجروحين، وما سطره ابن عدي في كامله، عندما ترجما للإمام أبي حنيفة؛ ليس أقل فظاظة وشدة مما في تاريخ الخطيب، وكتاب السنة لعبدالله بن أحمد ابن حنبل.
خلاصة الأمر في المسألة الحديثية: أن أبا حنيفة تلقى علم الحديث على شيوخ كثيرين جدا، فهو واسع الرواية.

بيد أن المحدثين أسقطوا رواياته، فلا يوجد له في الكتب الستة، إلا رواية واحدة في سنن ابن ماجه - فيما أذكر، ولا أكاد أتذكر شيئا -

وقد كتب أخونا الدكتور شاكر ذيب فياض الفلسطيني رسالته للحصول على درجة الماجستير من كلية الشريعة بجامعة أم القرى، بعنوان (أبو حنيفة بين الجرح والتعديل) فتوصل إلى أن أبا حنيفة ثقة في الحديث (عدل ضابط) وهو كما قال.

سابعا: في بعض كتب التراجم ينسبون لأبي حنيفة قراءة قرآنية، مثل قراءة ابن كثير وعاصم، وبعضهم ينسب إليه تفسيرا كبيرا.
ولا يثبت شيء من هذا وذاك.

أبو حنيفة رجل صالح في نفسه، نبيل في أخلاقه ومواقفه، ثقة في حديثه، عليم بفقه الكوفيين أهل بلده.
وليس هذا أمرا يسيرا في فهمي وتقديري.
رحمه الله تعالى رحمة واسعة، واسكنه فسيح جناته، وجمعنا به في مستقر رحمته مع عبده زيد بن علي وآبائه الأطهار، عليهم الصلاة والسلام.
والحمد لله على كل حال.


منقول من صفحة الشريف عداب الحمش الحسيني
أضف رد جديد

العودة إلى ”سير أعلام مرتبطة بالتاريخ والأحداث السياسية الغابرة“