آية لا تدل على إيمان معاوية
قال الله سبحانه تعالى: ﴿وَإِن طَآئِفَتَانِ مِنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ٱقۡتَتَلُواْ فَأَصۡلِحُواْ بَيۡنَهُمَاۖ فَإِنۢ بَغَتۡ إِحۡدَىٰهُمَا عَلَى ٱلۡأُخۡرَىٰ فَقَٰتِلُواْ ٱلَّتِي تَبۡغِي حَتَّىٰ تَفِيٓءَ إِلَىٰٓ أَمۡرِ ٱللَّهِۚ فَإِن فَآءَتۡ فَأَصۡلِحُواْ بَيۡنَهُمَا بِٱلۡعَدۡلِ وَأَقۡسِطُوٓاْۖ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلۡمُقۡسِطِينَ﴾ [الحجرات: 9].
يحتج انصار معاوية دومًا بهذه الآية الكريمة لإثبات إيمان معاوية ورهطه، وطريقة استدلالهم هي: أن الآية الكريمة وصفتْ البغاة بالمؤمنين، فكون معاوية ومن معهم بغاة كما ثبت في الحديث النبوي الشريف، فلا يُخرجهم هذا عن الإيمان، بل دلَّ هذا على أن الباغي من المؤمنين!، فيجعل البعض هذه الآية دليلًا على إيمان معاوية، فيصير البغيُّ مكرمة له حيث بواسطته ثبت الإيمان له!، وهذا الاستدلال باطل، وبطلانه من أوضح الواضحات، وإليك بيان بطلانه من وجوه:
فانظر إلى كلمة (الظاهر) تعلم أن الإمام علي عليه السلام يراهم على ظاهر الإسلام، ولكن لم يجزم لهم بالإسلام واقعًا، قال ابن أبي الحديد المعتزلي: قوله: (والظاهر أن ربنا واحد) كلام من لم يحكم لأهل [صفين] من جانب معاوية حكما قاطعا بالإسلام بل قال ظاهرهم الإسلام. شرح نهج البلاغة ج17 ص142، تهذيب شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد المعتزلي لعبد الهادي الشریفي ج2 ص321.
ونظير هذا ما ذكرناه سابقًا من قول عمّار بن ياسر (رضوان الله عليه) في أهل صفين: وَاللَّهِ مَا أَسْلَموا ولَكِنَّهُم اسْتَسْلَمُوا وأسرُّوا الْكُفْر حَتَّى وَجَدُوا عَلَيْهِ أَعْوَانًا فأَظْهَروه. «التاريخ الكبير لابن أبي خيثمة - السفر الثاني - ط الفاروق» (2/ 991)، وذكرنا أن هذا الأثر ثابت فيما سبق.
فالمراد من الإيمان في قوله تعالى: (وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا)، هو الايمان بحسب الظاهر، إذ الايمان يصح اطلاقه حتى على المنافق الذي يظهر الايمان ويبطن الكفر، فعَنْ أَبِي بَرْزَةَ الْأَسْلَمِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " يَا مَعْشَرَ مَنْ آمَنَ بِلِسَانِهِ وَلَمْ يَدْخُلِ الْإِيمَانُ قَلْبَهُ لَا تَغْتَابُوا الْمُسْلِمِينَ وَلَا تَتَّبِعُوا عَوْرَاتِهِمْ؛ فَإِنَّهُ مَنْ يَتَّبِعْ عَوْرَاتِهِمْ يَتَّبِعِ اللهُ عَوْرَتَهُ، وَمَنْ يَتَّبِعِ اللهُ عَوْرَتَهُ يَفْضَحْهُ فِي بَيْتِهِ " (مسند أحمد ط الرسالة ج33 ص 20 قال شعيب الأرنؤوط: صحيح لغيره، وهذا إسناد حسن، وجوَّد إسناده العراقي في ((تخريج الإحياء)) (3/175)، وقال الهيثمي في ((مجمع الزوائد)) (8/96): رجاله ثقات، وقال الألباني في ((صحيح وضعيف سنن أبي داود:4880)): حسن صحيح).
قال عبد المحسن العباد: قوله: (يا معشر من آمن بلسانه ولم يدخل الإيمان قلبه) هذا يدل على أن من يفعل مثل هذه الأفعال عنده نقص في الإيمان أو نفاق؛ لأن قول الله عز وجل في الآية: {قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ} [الحجرات:14] فسرت بتفسيرين: فمنهم من قال: إن المقصود بها أناس منافقون، وهذا هو الذي مشى عليه البخاري، ومنهم من قال: إن المقصود بهم ليسوا منافقين، وإنما هم مؤمنون ناقصو الإيمان، فعندهم ضعف في الإيمان وليسوا من المنافقين، أي: أنهم لم يتمكن الإيمان في قلوبهم. شرح سنن أبي داود للعباد ص 16852.
قال ابن تيمية: والتحقيق أن يقال: إنه مؤمن ناقص الإيمان، مؤمن بإيمانه، فاسق بكبيرته، ولا يعطي اسم الإيمان المطلق، فإن الكتاب والسنة نفيا عنه الاسم المطلق، واسم الإيمان يتناوله فيما أمر الله به ورسوله؛ لأن ذلك إيجاب عليه وتحريم عليه، وهو لازم له كما يلزمه غيره، وإنما الكلام في اسم المدح المطلق، وعلى هذا فالخطاب بالإيمان يدخل فيه ثلاث طوائف: يدخل فيه المؤمن حقاً. ويدخل فيه المنافق في أحكامه الظاهرة، وإن كانوا في الآخرة في الدرك الأسفل من النار، وهو في الباطن ينفي عنه الإسلام والإيمان، وفي الظاهر يثبت له الإسلام والإيمان الظاهر. ويدخل فيه الذين أسلموا وإن لم تدخل حقيقة الإيمان في قلوبهم، لكن معهم جزء من الإيمان والإسلام يثابون عليه. الإيمان لابن تيمية ص190.
وقال الغزالي وهو يتحدث عن حجية خبر الواحد في معرض مناقشة دليل القائلين بحجيته، حيث قال: «وَلَا تَمَسُّكَ لَهُمْ فِي قَوْله تَعَالَى: {فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ} [الممتحنة: 10] وَإِنَّهُ أَرَادَ الظَّاهِرَ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ بِهِ الْعِلْمُ الْحَقِيقِيُّ بِكَلِمَةِ الشَّهَادَةِ الَّتِي هِيَ ظَاهِرُ الْإِيمَانِ دُونَ الْبَاطِنِ الَّذِي لَمْ يُكَلَّفْ بِهِ، وَالْإِيمَانُ بِاللِّسَانِ يُسَمَّى إيمَانًا مَجَازًا» المستصفى (ص116).
وهذا يدلُّ أن الإيمان له إطلاقان حقيقي ومجازي.
وقال الماوردي: قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ ءَامِنُواْ بِاللهِ وَرَسُولِهِ} فإن قيل فكيف قيل لهم {ءَامِنُواْ} وحُكِي عنهم أنهم آمنوا؟ فعن ذلك ثلاثة أجوبة: أحدها: يا أيها الذين آمنواْ بمن قبل محمد من الأنبياء آمنواْ بالله ورسوله ويكون ذلك خطاباً ليهود والنصارى. الثاني: معناه يا أيها الذين آمنوا بأفواههم أمنواْ بقلوبكم، وتكون خطاباً للمنافقين. والثالث: معناه يا أيها الذين آمنوا داومواْ على إيمانكم، ويكون هذا خطاباً للمؤمنين، وهذا قول الحسن. كتاب تفسير الماوردي = النكت والعيون ج١ ص٥٣٦.
وقال الواحدي في قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا}: لأن معنى {الَّذِينَ آمَنُوا} في هذه الآية إنما هو إيمان بأفواههم؛ لأنه يعني به المنافقون؛ لأنه وصف الذين آمنوا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم، ثم ذكر اليهود والنصارى فقال: من آمن منهم بالله فله كذا، فجعلهم يهودًا ونصارى، فلو كانوا مؤمنين لم يُحتج أن يقال: (من آمن منهم فلهم أجرهم) (٤)، وهذا قول الفراء. كتاب التفسير البسيط ج٧ ص٤٧٢.
وقال ابن عادل: قيل: الخِطَاب مع المُنَافِقِين، والتَّقْدير: يأيُّهَا الذين آمَنُوا باللِّسان، آمنوا بالقَلْب، ويؤيده قوله - تعالى -: {مِنَ الذين قالوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهُمْ} [المائدة: ٤١]. اللباب في علوم الكتاب ج٧ ص٧١.
فالخطاب بحسب حال ظاهر المتقاتلين، والذين أظهروا الإيمان بأفواههم، فقد يكون المخاطب في واقعه مؤمن فعلا او قد يكون منافق او ناقص الايمان؛ ولذلك نجد في احد الفئتين المتقاتلين اللتين هما سبب نزول الآية الكريمة رأس المنافقين عبد الله بن أبي !، فقد أخرج البخاري أَنَّ أَنَسًا، قَالَ: قِيلَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لَوْ أَتَيْتَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ، «فَانْطَلَقَ إِلَيْهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَرَكِبَ حِمَارًا، فَانْطَلَقَ المُسْلِمُونَ يَمْشُونَ مَعَهُ وَهِيَ أَرْضٌ سَبِخَةٌ»، فَلَمَّا أَتَاهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: إِلَيْكَ عَنِّي، وَاللَّهِ لَقَدْ آذَانِي نَتْنُ حِمَارِكَ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ مِنْهُمْ: وَاللَّهِ لَحِمَارُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَطْيَبُ رِيحًا مِنْكَ، فَغَضِبَ لِعَبْدِ اللَّهِ رَجُلٌ مِنْ قَوْمِهِ، فَشَتَمَهُ، فَغَضِبَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَصْحَابُهُ، فَكَانَ بَيْنَهُمَا ضَرْبٌ بِالْجَرِيدِ وَالأَيْدِي وَالنِّعَالِ، فَبَلَغَنَا أَنَّهَا أُنْزِلَتْ: { وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ المُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا} [الحجرات: 9]. صحيح البخاري ج3 ص 183 ح 2691.
فالآية في صدد بيان حكم شرعي وهو: أنه يجب على المؤمنين الإصلاح بين الفئتين المتقاتلتين اللتين هما بحسب الظاهر من المؤمنين؛ إذ غالب الأحكام الشرعية مبنية على الظاهر، كما في مسألة الشهود وعموم مسائل القضاء؛ لذلك ورد عن رسول الله صلى الله عليه وآله أنه قال: «إِنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إِلَيَّ، وَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَلْحَنُ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ، فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ بِحَقِّ أَخِيهِ شَيْئًا بِقَوْلِهِ، فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنَ النَّارِ، فَلَا يَأْخُذْهَا» صحيح البخاري - ط السلطانية (3/ 180 ح 2680).
قال العيني: وَفِيه: أَن الْحَاكِم إِنَّمَا يحكم بِالظَّاهِرِ، وَأَن على من علم من الْحَاكِم أَنه قد أَخطَأ فِي الحكم فَأعْطَاهُ شَيْئا لَيْسَ لَهُ أَن يَأْخُذهُ. وَفِيه: أَن الْبَيِّنَة مسموعة بعد الْيَمين، وَالله هُوَ الْمعِين. عمدة القاري شرح صحيح البخاري (13/ 257).
وكذلك الحكم على الشخص بأنه من المسلمين، يكفي في الحكم له بالإسلام أن ينطق بالشهادتين ولو في ساحة المعركة، ويكفي بترتيب أحكام الإسلام حال ظاهره.
ولذلك أخطأ من استدل بهذه الآية على ايمان الطائفتين المتقاتلتين إذ يلزمه الحكم بإيمان عبد الله بن أبي!
والاستدلال على ايمان الفئتين المتقاتلتين بهذه الآية أبعد ما يكون، إذ الآية لا تقول كل فئة تقاتل الاخرى فهي مؤمنة حتى يتم الاستدلال المذكور، بل الآية تقول ان كل فئتين مؤمنتين تقاتلتا فاصلحوا بينهما، والمراد كل فئتين كانتا على ظاهر الايمان، ولا يعني هذا كل فئتين يتقاتلان هما من اهل الايمان إذ الواقع يكذب ذلك فقد تجد فئة مؤمنة تقاتل كافرة او منافقة تقاتل مؤمنة او مؤمنة تقاتل مؤمنة.
ثم قال تعالى: فَإِن بَغَت إِحدَاهُمَا عَلَى الأُخرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمرِ اللَّهِ، فإن تعدت احدهما وخرجت الى حد الظلم فقاتلوا التي تبغي ولا يدل قوله تعالى: ((وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ المُؤمِنِينَ اقتَتَلُوا))، على أنهما إذا اقتتلا بقيا على الإيمان ويطلق عليهما هذا الاسم، بل لا يمتنع أن تفسق إحدى الطائفتين أو يفسقا جميعاً، ولذلك قال: ((فَإِن بَغَت إِحدَاهُمَا عَلَى الأُخرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبغِي)) فإن الفئة الباغية بعد البغي لا تكون مؤمنة ولا يكون أفرادها مؤمنين، فكأن المعنى من قوله ((مِنَ المُؤمِنِينَ)) أنهما على ظاهر الإيمان حيث أن كل منهما تدّعي أنها على الحق والهدى.
ولو كانت الفئة الباغية مؤمنة بدليل هذه الآية المباركة للزم القول بإيمان الصحابي ابي الغادية قاتل الصحابي الجليل عمار بن ياسر وقد حكم عليه رسول الله صلى الله عليه واله بأنه من أهل النار حيث قال: قاتل عمار وسالبه في النار، قال الالباني بعد ذكره هذا الحديث: قلت: وهذا إسناد صحيح، رجاله ثقات رجال مسلم، وأبو الغادية هو الجهني وهو صحابي كما أثبت ذلك جمع. موسوعة الألباني في العقيدة ج 8 ص 354، سلسلةُ الأحاديثِ الصّحيحةِ 5: 19.
وكيف يحكم بالايمان على البغاة الذين يعادون علي بن ابي طالب حتى ابتغوا سفك دمه في حرب دامية سفكت فيها دماء الاخيار، خصوصا مع قول رسول الله صلى الله صلى الله عليه واله في علي عليه السلام (من كنت مولاه، فهذا مولاه، اللهم وال من والاه وعاد من عاداه) قال الالباني: قلت: وإسناده صحيح على شرط البخاري. سلسة الاحاديث الصحيحة ج4 ص 331، قال ابن كثير: قال [يعني الذهبي] وَصَدْرُ الْحَدِيثِ مُتَوَاتِرٌ، أَتَيَقَّنُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَهُ وَأَمَّا: «اللَّهُمَّ وَالِ مَنْ وَالَاهُ» فَزِيَادَةٌ قَوِيَّةُ الْإِسْنَادِ. البداية والنهاية ط هجر ج 7 ص 681.
فكيف يكون عدو الله مؤمنا؟! خصوصا مع قول رسول الله صلى الله عليه واله في معاوية وجماعته: «وَيْحَ عَمَّارٍ، تَقْتُلُهُ الفِئَةُ البَاغِيَةُ، يَدْعُوهُمْ إِلَى الجَنَّةِ، وَيَدْعُونَهُ إِلَى النَّارِ» قَالَ: يَقُولُ عَمَّارٌ: أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الفِتَنِ "صحيح البخاري ج1 ص 97.
فكيف تكون الفئة الداعية الى النار مؤمنة؟!
ونحن – وإن قبلنا هذا الوجه – لكن نرى وجود قرينة تنفي التشريف عن فئة معاوية؛ لأنه يستحيل أن يُراد تشريفهم وهم الفئة الباغية الداعية إلى النار.
وعلى العموم فإن دلتْ الآية على عدم خروج الباغي عن الإيمان فلا يعني أنه لا يخرج لسبب آخر غير البغي.
منقول من صفحة المعرفة الدينية
